مهدي جمعة: نجحنا في ما فشل فيه غيرنا، وهذا ما جلب لنا التشويه

22/08/2019

حوارات حنان المنصف - صحيفة الرأي العام 

التاريخ 19 أوت/ أغسطس، التوقيت الثالثة بعد الزوال، المكان مكتب رئيس الحكومة الأسبق و رئيس و مرشح حزب البديل للانتخابات الرئاسية، السيد مهدي جمعة. 

بمكتبه لا يفوتك أن تلمح جمعا من الشباب و النساء و الرجال الذين يبدون اهتمامهم بأدق التفاصيل، حتى أن من بينهم من أخد يدقق في علم الحزب إن كان مكانه مناسبا لالتقاط صور اللقاء. 

يستقبلنا السيد مهدي جمعة متحدثا عن نسق العمل الحثيث لهذه الفترة، و لكثرة المواعيد و الالتزامات مع مختلف وسائل الإعلام. 

فكان هذا الحوار مع رأي اليوم.

بروز اسم السيد مهدي جمعة في الساحة السياسية جاء بتوليه وزارة الصناعة في حكومة علي العريض التي هي أساسا حكومة النهضة، و هو ما يفسر إلى حد ما ما يثار حول تقاربكم مع حركة النهضة ؟

 -هذه عينة من جملة المغالطات التي تقال حولي. لذلك وجب التوضيح أن تقلدي منصب وزير الصناعة و الطاقة و المناجم كان بطلب من السيد الشاذلي العياري، حيث أنه هو من اتصل بي إيمانا منه أن بلدي يحتاجني في تلك الفترة الحرجة و أنني قادر على تقديم الإضافة. 

و ما جعلني أقبل الوزارة في الأخير، هو أنني وضعت شروطا قوبلت بالموافقة أهمها أن تكون لي الاستقلالية الكاملة و أن أتحمل المسؤولية التامة، و أن يكون تسييري للوزارة وفق ما أحمله من رؤية و من تصور، و إلا ما الفائدة من التمسك باختياري لهاته الوزارة. 

ثم أنني لما خدمت وزارة الصناعة، فإنني خدمت أولا و أساسا الدولة التونسية، و كل متشبع بثقافة الدولة و نواميسها يدرك ذلك جيدا.

 لكن و للأسف، ما تعيشه الساحة السياسية من تشويه و استهداف للخصوم، يجعل للاتهامات اللامسؤولة موطنا و صدى.السيد مهدي جمعة تأتي به التفاهمات و التوافقات الداخلية و الخارجية مثلما هو الحال لدى توليكم منصب رئاسة الحكومة ؟ 

– أسهل ما يقال و ما يشاع، هو أن أحسب في كل فترة على طرف أو على جهة. و المضحك أن مسوقي هذه الإشاعات يصل بهم سوء التقدير إلى حد جعلي أحسب على جهات على طرفي النقيض. كل هذه الحملات و الهجمات جاءت مباشرة بعد خروجي من رئاسة الحكومة، حيث أن نتيجة النجاحات و نسبة الرضا عن أداء حكومتنا، جعلتني أتصدر جميع استطلاعات الرأي. 

و هكذا فإن كل من اعتبر أن مهدي جمعة منافس قادر على قلب التوازنات القائمة، انخرط في تلك الحملات.

 فأنا مثلا تعرضت لهجمات من قبل حركة النهضة، نداء تونس و من هم في السلطة. 

حين غادرت رئاسة الحكومة، كنت قد ابتعدت عن السياسة و عدت إلى عملي و نسق حياتي السابقة، غير أن تلك الحملات المتواترة، جعلتني أستشعر حجم الرداءة و الأجواء المشحونة التي تحيط الحياة السياسية التونسية مما شوش على كل عمل جاد و بناء يلامس المشاكل الحقيقية للتونسيين.

 فآمنت أنه من باب المسؤولية و الوطنية أن لا نظل مكتوفي الأيدي مكتفين بدور المتفرج أمام سوء هذه الأجواء، و أنه مادمنا نتحلى بالكفاءة و الإرادة فمن حق تونس علينا أن نقدم طرحا مختلفا يقطع مع الرداءة و مع الانتهازية السياسية.

 و من هنا انطلقنا في تأسيس حزب البديل، الذي أردناه أملا للتونسيين مساهما في استرجاع الثقة في الطبقة السياسية، التي و للأسف حادت عما يجب أن يكون عليه العمل السياسي.

الحديث عن نجاحكم على رأس الحكومة يرجع أساسا لدعم المنظمات الوطنية و التفاف الأحزاب حول حكومتكم ؟ كما أن الحكومات اللاحقة حملتكم مسؤولية التداين من ذلك آخر قرض أمضاه وزير المالية السيد حكيم بن حمودة ؟

– أقل سنة شهدت اقتراض هي سنة 2014, مع أننا وجدنا حصيلة كارثية و خيرنا تجنب التخويف لأن تلك الفترة كانت تتطلب منا طمأنة التونسيين.

 ثم أن القرض محل التساؤل تم بموافقة الحكومة اللاحقة و جاء من باب تسهيل عملها لما لنا من علاقات دولية متميزة تجعلنا قادرين على جلب التمويلات اللازمة و الضرورية و هذا ما أكدته فترة الخمس سنوات التي تلت تولينا لرئاسة الحكومة.

 إلا أن قواعد اللعبة السياسية في تونس، جعلت منافسينا السياسيين يستكثرون علينا الإقرار بالنجاحات التي حققناها أثناء تولينا رئاسة الحكومة، فيكفي مثلا أن نذكر أننا أجدنا التحكم في حجم الاقتراض، حيث أن نسبة المديونية كانت أقل من 50% في حين أنها الآن تجوزت 80%.

حكومتنا يحسب لها أنها في بضعة أشهر نظمت انتخابات شفافة و نزيهة، في حين أن من سبقونا لم يتمكنوا من تحديد موعد للانتخابات و من لحقونا أخروا موعد الانتخابات البلدية.

 حكومتنا أنجزت تعهداتها، من ذلك : حل لجان حماية الثورة، استرجاع المساجد، تنقية المناخات، و تحييد الإدارة التي أثقلت بتعيينات الولاءات على حساب الكفاءات. 

منذ الثورة، كانت حكومتنا الوحيدة التي بدأت في الإصلاحات، فلغة الأرقام و الوقائع تقول أن فترة تولينا رئاسة الحكومة، كانت أحسن فترة للدينار التونسي، أحسن فترة للسياحة، عرفت أقل عجز في الميزانية. 

حتى العلاقات الدبلوماسية التي كانت تدار وفق سياسة الاصطفاف وراء المحاور، معنا عادت إلى فلسفة المدرسة البورقيبية التي تتمثل في البقاء على الحياد، فكنا حريصين أن تكون علاقاتنا متميزة مع كل الأطراف الدولية و الإقليمية و أن يكون اصطفافنا وراء مصلحة تونس لا غير. 

لذا نحن سلمنا الحكومة في أحسن حال و في وضعية مريحة كان من الممكن و من الأجدر تدعيمها.

خلاصة القول، لقد نجحنا في ما فشل فيه غيرنا، و هذا ما جلب لنا التشويه.ماهو تقييمكم لأداء الحكومة الحالية ؟

– نحن في ديناميكية انتخابية تجعلنا ننظر إلى المستقبل. 

و من البديهي القول أن منظومة الحكم التي أفرزتها انتخابات 2014 أثبتت فشلها و هو ما يستشعره المواطن من خلال تدهور المقدرة الشرائية، و فقدان الأمل، وفقدان الثقة في المؤسسات و في الطبقة السياسية. فهذه المنظومة استنفذت مدة صلوحيتها، و وجب تغييرها.

للأسف، حين تركنا الحكومة، تركنا رؤية شاملة لجميع الإصلاحات في كل القطاعات و سلمت بوثائق رسمية. 

و حملت هذه الرؤية عنوان رئيسي يقوم على ” ثلاث سنوات من الجهد، و عشريتين من الازدهار “، لكن يبدو أن من جاؤوا بعدنا خيروا أن توضع هذه الوثائق في الخزائن و الرفوف.

لماذا الترشح للانتخابات الرئاسية ؟ و ماذا يستطيع السيد مهدي جمعة أن يضيف لمنصب رئيس الجمهورية ؟

– لو وجدت بين المترشحين من يحمل مشروع إصلاحي و من له برنامج جدي و من له المؤهلات اللازمة لتولي منصب رئاسة الجمهورية لما كنت قدمت ترشحي. 

فترشحي للرئاسة جاء لأن ممارستي للسياسة انطلقت من عملي في صلب الدولة و هو ما اكسبني خبرة الدولة و ثقافتها و نواميس عملها، كما أنني أرى في نفسي القدرة و الشجاعة ما يلزم لتولي منصب رئاسة الجمهورية. 

فتونس تستحق الرئيس الأكفأ و الأجدر، و ليس من يستسهل المنصب و يستصغر مهام رئيس الجمهورية، الذي عليه أن يكون الضامن للدستور، و لوحدة الدولة و لمؤسساتها. 

فصلاحية الأمن القومي مثلا، لا يجب حصرها بل عليها أن تكون شاملة، من ذلك : الأمن الاقتصادي، الأمن الطاقي، الأمن الغذائي، الأمن المائي…نحن نحمل مشروع متكامل تلتقي من خلاله مهام رئيس الجمهورية مع المنظومة التشريعية و مع ما يجب أن تطرحه الحكومة من أولويات و من توجهات عامة. 

و من أجل كل ذلك، فالوضع الراهن لا يتطلب رئيس جمهورية له فقط ثقافة أمنية و ثقافة قانونية دستورية، فالثقافة الاقتصادية تعد ضرورة ملحة لا يجب تجاهلها.

 تقييمكم لحظوظكم ؟

– حظوظنا تحددها مرحلة الحملة الانتخابية، و الأيام القادمة ستكون حاسمة. 

و أنا على قناعة أن التونسي لم يحسم خياره بعد و أنه سيفكر مليا و سيشعر بحجم تداعيات هذا الاختيار. 

فمع أنه إلى حدود الآن، تظهر تعبيرات التونسي انطباعية و عاطفية غير أنني على ثقة أنه سيتجه نحو الخيار العقلاني و الموضوعي.

 و الاختيار العقلاني هو الذي يجعل من حظوظنا وافرة.

ردكم على الدعوة التي وجهت لكم من قبل السيد رشيد صفر لسحب الترشح لفائدة السيد عبد الكريم الزبيدي ؟

-أولا علاقتي بالسيد عبد الكريم الزبيدي هي علاقة طيبة.

 ثانيا، لقد تحادثت مع السيد رشيد صفر، الذي جاء تصريحه ضمن موجة الحماسة العاطفية التي تعرفها مؤخرا مواقع التواصل الاجتماعي.

 كما أنني فهمت من السيد رشيد صفر، أنه يتبنى الموقف الذي يعتبر أن الأهمية تكمن في منصب رئاسة الحكومة و أنه يعتبرني أحمل مشروع و برنامج إصلاحي يخول لي منصب رئاسة الحكومة. إذن هي مسألة وجهات نظر في تقدير لصلاحيات رأسي السلطة التنفيذية. 

و لا يجب أن نحمل التصريح ما لا يحتمل.

لماذا راجت مؤخرا أخبار تفيد بانسحاب السيد عبد الكريم الزبيدي لفائدتكم، خاصة و أن قيادات من حزبكم تناقلت هذه الأخبار ؟

-نحن في سباق، و نطمح لمنافسة شريفة، وكل هذا يدخل في الأجواء العامة للانتخابات، التي لا معنى فيها أن يترشح من يرى في نفسه القدرة و الكفاءة ثم ينسحب لفائدة مرشح آخر.

ما هو طرحكم للسياسة الخارجية التونسية ؟

– هناك تقاليد في السياسة الخارجية التونسية نسعى للمحافظة عليها تتمحور أساسا حول عدم الاصطفاف وراء المحاور، كما أن هناك متغيرات تشهدها الساحة الدولية و الإقليمية علينا أن نحدد هامش الحركة ضمن أطرها. 

رؤيتنا للسياسة الخارجية لما بعد 2019 تنطلق من استنتاجين: أولهما أننا نعتبر أن المنطقة مرت بمصاعب كثيرة و أنها تتجه نحو حلحلة الأزمات، و أن عناوين المرحلة القادمة هي إعادة البناء و إعادة تشكيل المنطقة. 

ثانيا، موقع تونس محدد أساسي لطبيعة الأدوار التي تستطيع أن تلعبها؛ فموقع تونس بين إفريقيا و أوروبا، مع ما تمثله إفريقيا من تطور ديمغرافي و اقتصادي و ما توفره أوروبا من تكنولوجيات و إمكانيات، يجعل من تونس قادرة أن تلعب دول منطقة تبادل و تكون همزة وصل بين القارتين.في ما يتعلق بالمنطقة العربية، فإن تونس قادرة أن تلعب دور الدبلوماسية النشيطة التي تدخل في ديناميكية مرحلة السلم.

كما يجب أن نحافظ على انفتاحنا على حلفائنا التقليديين و الاستراتيجيين، و أن ننفتح على حلفاء جدد مثل الصين التي جمعني منذ 10 أشهر لقاء مع رئيسها. حيث أننا نسعى لتوظيف هذه العلاقات لصالح تونس و لما لذلك من دور في جلب الاستثمارات.

في المنطقة، هناك محور سعودي إماراتي يقابله محور تركي قطري، ما هو الموقف من ذلك ؟

– الخلافات بين الأشقاء العرب ليست بالجديدة. وفي سنة 2014, وجدنا اصطفافا وراء أحد المحاور، و هو ما يتعارض مع المدرسة البورقيبية التي نتبنى ثقافتها الدبلوماسية. 

لذلك سعينا جاهدين إلى خلق التوازن و إلى تحييد تونس عن الاصطفافات و الصراعات. 

و حين توليت رئاسة الحكومة، كنت أنا من سير الدبلوماسية التونسية، و قد شرفت بلدي و دافعت عن مصالحها حين دخلت البيت الأبيض، وحين زرت جملة من العواصم الأوروبية و حين زرت دول الخليج. 

موقفكم من صعود الإسلام السياسي بعد ما اصطلح على تسميته ” الربيع العربي “؟

– لا مكان للإسلام السياسي في تونس. و أنا دائما ما أردد أن الإسلام السياسي يفسد الإسلام مثلما يفسد السياسة.

هناك من السياسيين التونسيين الذين يعادون تيارات الإسلام السياسي يعلنون صراحة مساندتهم لخليفة حفتر، فهل نعتبركم من ضمن هؤلاء ؟

– هذا ما يعتبر افتقار لثقافة الدولة و سوء تقدير للتقاليد الدبلوماسية التونسية. 

و أشقائنا الليبيين هم الأجدر و الأصلح لحل خلافاتهم الداخلية، و ستظل علاقات الأخوة بين الشعبين و فتح التونسيين أبواب منازلهم لاحتضان إخوانهم الليبيين خير دليل على عمق و متانة العلاقات بين البلدين.

 كما يظل موقفنا مبدئي من الجماعات الإرهابية حيث أننا وضعنا على القائمات السوداء الكثير من المجموعات التي تهدد أمن تونس و أمن ليبيا على حد السواء.

الموقف من ضبابية المشهد الجزائري ؟

– أنا أؤمن أننا نحمي ظهر الجزائر مثلما تحمي الجزائر ظهرنا. 

و سنة 2014, وجدت كل الدعم من دولة الجزائر سواء على الصعيد الأمني أو المعنوي.

 و ثقتي كبيرة في الأخوة الجزائريين و في أن عقلائها سيغلبون صوت الحكمة و ستظل مصلحة الجزائر بوصلتهم.

الموقف من عودة العلاقات مع سورية ؟

– نحن انطلقنا في عودة العلاقات مع سورية منذ سنة 2014, و سنسعى لإرجاع العلاقات باتفاق الطرفين و بتقدير إطار الموقف العربي الشامل و بأخذ الاعتبارات الملحة التي تقتضيها نواميس العلاقات بين الدول.

– في حال المرور إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية ، من تفضل أن يمر معك؟

– مرحبا بكل المتنافسين على أن يكون تنافسا شريفا لا يقوم على التشويه. 

 و نحن لا ننجم، ولا نبني لا برامجنا و لا أهدافنا على من هو المنافس بقدر ما نركز على توجهاتنا و على الطرح الذي نقدمه و ندافع عنه.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.