البرنامج الاقتصادي والاجتماعي
تونس ديمقراطية حداثية مزدهرة ومتضامنة

السياق العام للبلاد

السياق الاقتصادي ـ العشرية الضائعة

التغيير ودعم السياسية الاقتصادية السابقة

الأزمة الاقتصادية و نتيجتها الحتمية: أزمة الثقة

التحديات والفرص

رؤيتنا ومشروعنا

برنامجنا للإنقاذ والتنمية لتونس

●   الدروس المستخلصة حول التنمية

●   المبادئ التوجيهية

محتوى البرنامج

المكونين الأساسيين

●إعادة الثقة والعدالة الاجتماعية

●إعادة تأسيس منوال التنمية الاقتصادية والاجتماعية

المكون الأول: إعادة الثقة والعدالة الاجتماعية والاستجابة للمتطلبات المستعجلة للمواطنين

علوية القانون والنظام العام

حماية القدرة الشرائية

التحسين في الخدمات العمومية

تحفيز الاستثمار والتشغيل

الضغط على العجز الخارجي والحفاظ على استقرار الدينار

تقليص عجز الميزانية والدين العام

المكون الثاني: إعادة تأسيس منوال التنمية من أجل اقتصاد منتج وتنافسي ومتضامن ومستدام

مؤسسات عصرية وفعالة

●إقتصاد المعرفة: سياسات إقتصادية تحفز الشراكة والابتكار واستعمال التكنولوجيات الحديثة

●دولة قوية وذات نظرة إستراتيجية وحامية

●إدارة مسؤولة وذات كفاءة

●لامركزية مدعمة

●عدالة ناجعة ومسؤولة وذات مصداقية

مناخ ملائم للاستثمار

●وجوب توفر إطار اقتصادي شامل macro économique مستقر

●إطار قانوني و إجراءات بسيطة وشفافة

●سياسة صناعية جديدة: تحول هيكلي استعجالي

●الجالية التونسية: مساهمة أكثر فاعلية 

●السياحة: تعصير وتنوع ومردودية

السياسات الثقافية والاجتماعية

●الثقافة: أولوية وطنية

●التعليم: نظام تربوي للتميز مرتكز على تكوين مهارات القرن 21

●السياسة الاجتماعية: العدالة الاجتماعية والإدماج والجدوى المالية:

-إصلاح نظام التقاعد

-ترشيد الدعم

-الاقتصاد الاجتماعي والتضامني

-معاضدة نشيطة لتشغيل الشباب

●الصحة: إصلاح وتنشيط وتقديم خدمات ذات جودة ومتاحة للجميع  

بنية تحتية ذات جودة لتحسين ظروف عيش المواطنين ودعم تنافسية الاقتصاد

●النقل: مستوى جيد للربط وخدمات مستدامة ومتاحة للجميع

●نقل بالسكك الحديدية عصري ومستدام

●النقل الحضري: الاولوية للنقل الجماعي

●تعصير البنية التحتية للموانئ والخدمات اللوجستية

●الماء: مورد نادر وثمين : التصرف في الطلب عوض التصرف في العرض

●الطاقة: التسريع في التحول الطاقي وتأمين احتياجات البلاد 

التهيئة الترابية وحماية البيئة

●التنمية الجهوية: استراتيجية موجهة لصالح الجهات الداخلية

●فلاحة عصرية ومنتجة ومستدامة

البيئة: حماية الانظمة البيئية والموارد الطبيعية من أجل تنمية مستدامة

ملخص البرنامج

السياق العام للبلاد

تحول سياسي تجاهل المطالب الشرعية للمواطنين. تمحورت المطالب الاساسية للثورة الشعبية التي قلبت الحكم في الفترة الفاصلة بين ديسمبر 2010 ـ جانفي 2011 حول التشغيل والعدالة الاجتماعية والانصاف بين جميع شرائح الشعب التونسي. عبرت هذه الطلبات الاستعجالية عن أهداف وقيم استراتيجية وكان من المفروض أن تؤسس هذه الاخيرة لجملة التحولات العميقة المنتظرة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

لكن مسيرة التاريخ كانت مغايرة.

اتخذ المسار السياسي والمؤسساتي للانتقال منحى متعرج حتى أنه يمكن القول أنه حاد عن التوجه المرسوم في البداية لكي يأخذ منعطفا يؤسس لهيمنة قطاعية و دغمائية مستوحاة من تيارات سياسية وفكرية غريبة عن القيم المؤسسة لحضارة البلاد و للتطلعات التحررية لشرائح شعبها.

كن علينا ان نشهد اغتيالات سياسات وان يسقط بعض الشهداء الجدد وان تقوم صراعات شعبية واخرى سياسية حادة وتغيرات جيوسياسية كبرى من أجل إعادة الفاعلين المؤثرين لطريق العقل وجعلهم يفهمون أن الطريق الذي انتهجوه هو دون منفذ.

لكن مرة اخرى وقع إحباط الآمال التي رفعتها المواعيد الانتخابية ل2014. تميزت الحكومات المتعاقبة منذ 2015 بفشل ذريع وواصلت في انتهاج سياسية التدهور السياسي والاقتصادي و من ناحية اخرى شهدت الساحة تفكك الحزب الفائز في انتخابات 2014 وسلم مقاليد الحكم للحزب الثاني الذي قاد ضده حملة شرسة قبل أشهر. تمخض عن هذا الجو ارتباك شديد القى بضلاله على العمل البرلماني وعلى عمل المؤسسات الدستورية التي وقع تركيزها من جهة كما عطل استكمال تركيز بقية المؤسسات من جهة أخرى. ولم يمثل عمل الإدارة العمومية استثناءا حيث عانى هو الآخر من التأثيرات والضغوطات لكي نصل لحالة من التعطيل والتراجع في النشاط العمومي كما تبين أن السلط الموجودة هي في الحقيقة في خدمة اللوبيات ومجموعات الضغط وليس في خدمة المصلحة الوطنية.

تعيش بلادنا اليوم وضعا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا صعبا. بعد ثمانية سنوات من الانتقال، بقيت مطالب الثورة بدون استجابة. فالبرغم من الاغلبية البرلمانية المريحة التي تمتعت بها الحكومات منذ 2014 فشلت هذه الاخيرة في الاستجابة لحاجيات الاساسية للشعب أو حتى تحقيق جزء من الوعود التي قدموها والمتعلقة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي ينتظرها المواطنون. أنتج هذا الفشل إحباط المواطنين وصعود قوى سياسية شعباوية التي تريد إقناع المواطنين الفاقدين الامل أنه يمكنهم حل مشاكل معقدة بحلول بسيطة. إن عدم ثقة المواطنين في القادة السياسيين، والتي تصل في بعض الأحيان لعدم ثقة في هذه الصيغة للنموذج الديمقراطي المقترح، قد بلغت أقصى حدها وإن العزوف عن المشاركة في الانتخابات البلدية في ماي 2018 هي خير دليل على ذلك.

السياق الاقتصادي ـ العشرية الضائعة

لم يزد هذا الوضع العام المتردّي الوضع الاقتصادي إلا تدهورا وتراجعا. ففي الواقع وعكس بعض الخطابات والإعلانات ذات الطابع الترويجي الذاتي، تبقى المعطيات الظرفية متردية جدا (باستثناء بعض الجوانب الظرفية الموسمية) كما أن المعطيات الاقتصادية الاساسية بقيت ضعيفة جدا.

تواصل ضعف النمو الاقتصادي. تطور الناتج الداخلي الخام خلال الاربع سنوات الاخيرة بمعدل 1.6%  بينما تشير التوقعات إلى انخفاض هذا المعدل في أفق 2019 نظرا للنتائج المسجلة في الثلاثي الأول. من جهة اخرى يقدر النمو الديمغرافي في هذه الفترة ب1.2% مما يجعل الناتج الداخلي الخام المخصص للفرد الواحد في حدود 0.4%، وهو ما يعتبر عادة مؤشرا للتقدم الاقتصادي. لأول مرة منذ 20 سنة وبسبب آداء بلغ أقصى درجات الرداءة، لم تشهد الوضعية الاقتصادية للمواطنين اي تحسن. كما أن التوقعات بالنسبة ل 2019 منخفضة جدا نظرا للأداء الضعيف للثلاثي الأول من السنة التي لم تتجاوز 1.1%.

تعطل الاستثمار الذي يمثل المحرك الاساسي للنمو الاقتصادي رغم الغوغاء المتكرّرة حول "دوافع الاستثمار" و "تحسن الجو العام للاعمال" والمؤتمرات واللقاء ات العديدة المخصصة لجلب الاستثمار. تواصل انهيار معدل الاستثمار بالنسبة للناتج الداخلي الخام ليصل ل18.4% سنة 2018 مقارنة بنسبة 25% التي كان يبلغها سنة 2010. ويبدو أن هذه الحالة متواصلة سنة 2019. من ناحية اخرى، انهار الادخار الوطني تماما مما ساهم في تفاقم صعوبات تمويل الاقتصاد وفرض التوجه المتفاقم نحو التمويل الخارجي. للاستجابة لحاجيات تمويل تطورت من 600 مليون دينار في 2010 إلى 5000 مليون دينار في 2018. كما أن التطور السلبي لانتاجية العوامل الاقتصادية (العمل، رأس المال، واجمال العوامل) والذي له علاقة بتدهور الاستثمار، يترجم مسار تراجع هذا النظام الوطني للإنتاج وعدم قدرته على تحديث مكوناته وتنظيمه وحكومته.

إن عدم توازن المبادلات الخارجية المتأتية من عجز متفاقم للميزان التجاري يؤثر سلبا على كل الاقتصاد. تطور هذا العجز من 13% من الناتج الوطني الخام سنة 2010 الى 18% سنة 2018 وتفاقم بالخصوص خلال السنتين المنقضيتين.

تتمثل النواقص و الاخلالات الهيكلية التي أدت إلى هذه الوضعية في:

-انحلال نشاط المناجم والفسفاط ومشتقاته

-تذبذب سياسة الطاقة التي تعطل تنويع المصادر عبر استغلال الطاقات المتجددة وتسريع الاستثمار في مجال الاستكشاف والتنقيب والتنمية بهدف مواجهة تراجع الإنتاج الوطني للمحروقات وتقلص عجز ميزان الطاقة

-الانزلاقات التي يعرفها توريد سلع الاستهلاك من قبل الشركات المقيمة في تونس

إن تأثيرات عدم التوازن ضخمة حيث تؤثر مباشرة على المالية العمومية، خاصة مع نقص الموارد الذاتية والمصاريف العمومية الإضافية وسعر صرف العملة الوطنية الذي يؤثر مباشرة على التضخم وحجم الدين وخدمة الدين…

أما في ما يخص المالية العمومية فلم تقم السياسات الحكومية بإصلاح شيئا من الاخلالات الهيكلية التي نعاني منها منذ 2011. فهي تتسم بغياب الرؤية و لا تعدو أن تكون مجرد حزمة من الاجراءات هدفها تهدئة ضغوطات الاحتجاجات الاجتماعية المتعددة وتغطية النفقات المتفاقمة التي لا يمكن الضغط عليها: أجور الموظفين، خدمات الدين، عجز المؤسسات العمومية، الدعم... إن أغلب الزيادات في النفقات متأتية من نفقات التصرف (الأجور ودعم مواد الاستهلاك) وليس من الاستثمارات المنتجة. كما أن غياب الفاعلية المناسبة للإنتاج الوطني والارتفاع في النفقات العمومية وعجز المالية العمومية خلفوا ديناميكية تضخم مالي وطلبا مجحفا للتوريد الشيء الذي أجج بدوره الاحتجاجات الاجتماعية وساهم في تدهور الميزان التجاري. إن نسبة ارتفاع العجز المالي بقيت مرتفعة بين %4 و6% من الناتج الداخلي الخام مع انخفاض طفيف سنة 2018 تصل إلى 4.9%. يعاني النظام الضريبي من من تواصل وتفاقم التهرب الضريبي. إن التحكم المعلن في العجز المالي متأت فقط من الترفيع في الاداءات والاستخلاص الوجوبي (الأداء على القيمة المضافة والأداء على مداخيل الأشخاص الطبيعيين...). ارتفع الدين العمومي خاصة في السنوات الثلاث الاخيرة ليصل ل72% نهاية 2018.

إن تفاقم التضخم وخاصة في السنتين الأخيرتين يمثل مؤشرا صريحا على الاخلالات العديدة التي تضرب الاقتصاد الوطني. تعتبر غالبية المواطنين أن القدرة الشرائية وظروف العيش قد شهدت تدهورا كبيرا. بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار العالمية لعدد من المواد الأساسية والطاقة، ساهمت جملة من العوامل الداخلية في التضخم. فنلاحظ اولا تأثيرات سياسية مالية ذات بعد توسعي مع زيادة في نفقات الدولة وخاصة كتلة أجور القطاع العام (ومن بعدها القطاع الخاص) دون تطور مصاحب للانتاجية أو نسق النمو الاقتصادي.

إن السياسة المالية التقييدية التي وقع اعتمادها يمكن ان يكون لها تأثير عكسي ـ و حتى مضاعف للوضعية الاقتصادية نتيجة الأسباب المتعددة للتضخم.

تحول هيكلي بطيء

تفاقم المشاكل الهيكلية الماضية وعدم فاعلية نموذج التنمية.

في غياب الإصلاحات المنتظرة لتحديث المؤسسات وجهاز الدولة تفاقمت المشاكل الهيكلية للنموذج التونسي للتنمية. شهد معدل النمو الاقتصادي قبل الثورة نسبة متوسطة فضعيفة (3.75% لكل سنة خلال فترة 1990 ـ 2010) و تذبذبا (تغير ملحوظ كل سنتين أو ثلاث سنوات) بالمقارنة مع أداء الدول الصناعية الحديثة التي بلغت نسبة نموها 6% كل سنة ل25 سنة متواصلة.

بقي تطور الإنتاج العام للعوامل الاقتصادية ضعيفا (بين 0.3% و1.2% كل سنة بين 1980 و 2010) مقارنة بمعدلات الدول الصناعية الحديثة التي تجاوزت 3.5% كل سنة لسنوات عديدة، يبرهن ذلك على أن الاقتصاد التونسي بالرغم من تطوره الظاهر بقي منحصرا في الانشطة ذات القيمة المضافة المنخفضة التي تتميز بربحية إنتاج وتشغيل محدودة جدا. بالإضافة لذلك ومقارنة بالدول الصناعية الحديثة فإن التحولات الهيكلية للاقتصاد التونسي تقع في القطاعات والأنشطة ذات القيمة المضافة المحدودة. إن ضعف جودة الاستثمارات الخاصة والنصيب المنخفض المخصص للتصديرات ذات المحتوى التكنولوجي العالي (أقل من 14% سنة 2016) وركود نصيب الصناعات التحويلية من الناتج الداخلي الخام (22% في 1996 مقابل 17% في 2016) بينما بلغت 30% لدى الدول المصنعة الحديثة وتدهور جودة قطاع التعليم هي أهم العوامل التي تفسر محدودية النموذج التونسي.

التحول وتدعيم السياسة الاقتصادية السابقة

سياسة اقتصادية غير مواتي لنموذج تنمية سريع وشامل. إن حدود التحول الهيكلي لاقتصادنا وآدائه الضعيف الذي حققه هي نتيجة سياسة اقتصادية يلعب فيها الفاعلون الرئيسيون دورا للحفاظ على استقرار النظام مقابل سياسات اقتصادية ومؤساستية تحفظ مصالحهم (الحد من الإصلاحات، حمايات اللوبيات والمحتكرين، رقابة ودور تعديلي كبير من طرف الدولة). إن ديناميكية المحسوبية هذه خلفت "اقتصاد الدخل الدائم" الذي لايناسب باعثي المشاريع الشباب والفاعلين الاقتصاديين الخواص الذين يتميزون بالديناميكية والابداع. إن الدولة حاضرة بقوة لمراقبة جميع الفضاءات وضمان استقرار النظام. إن الحوكمة الاقتصادية للبلاد ما بعد الثورة دعمت نظام العمالة حيث برز فاعلون جدد واتجهت موازين القوى نحو هيمنة القطاعات ورجال الاعمال على هامش الاقتصاد الموازي.

لم تقدم الحكومات المتعاقبة أي تغير في ما يخص السياسات الاقتصادية التي بامكانها تحسين نجاعة الاقتصاد كما ان الادارة فقدت نجاعة التنفيذ والإنجاز وقدرتها على التحكم والتعديل. من ناحية أخرى التحقت مجموعة جديدة من اللوبيات وأصحاب الامتيازات بالفاعلين القدم كما تفاقم الفساد والمحسوبية.

السياسة الاقتصادية ومتلازمتها التي لا مفر منها: أزمة الثقة

امتداد جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وأزمة الثقة الغير مسبوقة في الازمة السياسية العميقة. إن بطء التحول الديمقراطي وتجربة نظام سياسي جديد ما بعد الثورة أبرز إخلالات كثيرة أثرت على حوكمة البلاد. أنتج النظام الجديد سلطة تنفيذية غير ناجعة ذات رأسين عرضة لصراعات الحكم ؛ وقانونا انتخابيا يؤدي إلى تشتت الناخبين وانحلال المسؤوليات وشراء الأصوات وذمم النواب المنتخبين ؛ ومجلس نواب منقسما وغير ناجع تحكمه اللوبيات وتأثيرات المصالح الخاصة خدمة لمصالحهم على حساب الصالح العام. فمن ناحية نلاحظ نقاشات وصراعات لا متناهية لاستكمال المؤسسات الدستورية ومن ناحية اخرى نلاحظ أن المؤسسات الاخرى التي وقع تنصيبها تقع تحت قبضة أحد الفاعلين السياسيين الكبار حيث تعيش مشاكل تعرقل سيرها العادي مما يبرهن على ضعفها ويحط من مصداقيتها.

تواصل الازمة السياسية للبلاد منذ 2015 وفشل التصرف في شؤون البلاد بعد الثورة خلف أزمة ثقة غير مسبوقة. مستقبل البلاد: من منا لا يتساءل اليوم عن مستقبل البلاد؟ باستثناء فترة 2014، تشير الاستطلاعات بطريقة منتظمة بأن 75% من المواطنين يرون أن البلاد تسير في الطريق الخطأ ومنذ 2018 تجاوزت هذه النسبة 80%.

أزمة ثقة في الدولة ومؤسساتها: سلطة تنفيذية منقسمة ومعطلة تماما، فساد متفشي، دولة ضعيفة وغير قادرة على تطبيق القانون حتى في ما يخص ممتلكاتها (الفوسفاط، المحروقات، الملكية العقارية...)، عدالة تقريبية تفقد يوما بعد يوم مصداقيتها...

أزمة ثقة في المؤسسات المؤسسة لتونس الحديثة: نظام تعليم متدهور ذو جودة متواصلة الانحدار، قطاع صحة في أزمة دائمة، نظام حماية اجتماعية يعاني من إفلاس هيكلي دائم، إدارة كانت في الماضي محرك نماء البلاد أضحت اليوم مجرد هيكل تنفيذي أفرغ من احسن كفاءته وصلاحياته...

وأخيرا أزمة قيم مجتمعية عميقة: تراجع التفكير النقدي وفضول البحث وإرادة التعلم لصالح البروباغندا والنقاشات السياسية العقيمة والمملة، المعلومات الزائفة والتضليل والخطب الشعبوية هم الان سلاح في يد عدد مهم من السياسيين لجذب تعاطف المواطنين، الفساد والحذر والانتهازية تمثل اليوم قيم علاقاتنا الاجتماعية اليومية التي كانت في الماضي مبينة على الصدق والتضامن والاحترام المتبادل خاصة لكبار السن ونساء ورجال العلم والمعرفة.

تحديات وفرص

تواجه تونس جملة من التحديات الهامة.

نظرا لوضعيتنا الاقتصادية والاجتماعية وهشاشة نظامنا السياسي ليس أمامنا سوى خيارين: إما الاستجابة لحاجيات المواطنين وإصلاح إقتصادنا من أجل تحقيق الازدهار أو المواصلة في القيام ب"الترقيع" الاقتصادي والسياسات السياسوية العقيمة والمخاطرة بالغضب الشعبي وتواصل عدم الاستقرار الاجتماعي. إن المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية التي سنذكر بها أسفله هي خير دليل على رداءة آداء الحكومة منذ 2015. فلإنقاذ البلاد والانطلاق في إنعاشها وبالإضافة إلى مختلف المشاكل التي وقع التطرق إليها مسبقا، يجب الأخذ بعين الاعتبار مختلف التحديات التي تعترض مسار إعادة تأسيس الاقتصاد التونسي. على سبيل الذكر لا الحصر:

●مطلبية اجتماعية مرتفعة وهيمنة القطاعات وغياب إطار للحوار والتحكيم الاجتماعي والاقتصادي المسؤول والناجع؛

●سياق جيو استراتيجي اقليمي ودولي غير مستقر (غياب الاستقرار السياسي في دول الجوار)؛

●تحديات (وأيضا فرص) التحولات الاقتصادية وبالأخص التحول الرقمي وصعود سياسات الحماية القومية التي تؤثر على اقتصاد الدول الشريكة لتونس؛

●التحولات المناخية ونتائجها السلبية على الموارد المائية واستدامة الزراعات البعلية.

من الجهة المقابلة، تتمتع تونس بالإيجابيات التي يمكنها إنتاج جملة من فرص النمو الهامة جدا إذا تم تثمينها وتوظيفها كما ينبغي. من بين الإيجابيات الحصرية لتونس: مؤسسات في طور ال"دمقرطة" التي يمكن أن تمثل نقاط قوة على المدى المتوسط والطويل إذا تم تقويتها وتدعيمها؛ وقرب جغرافي من الأسواق الاوروبية والعربية والافريقية ؛ ويد عاملة شابة ومكونة؛ وبنية تحتية (طرقات، ماء، طاقة، اتصالات) جيدة ويمكن تطويرها بسهولة؛ وأخيرا نسيج صناعي أكثر تنوعا من بقية دول المنطقة.

رؤيتنا ومشروعنا لتونس

حاجة ملحة لرؤية جديدة ومشروع جديد. يجمع المواطنين على حاجتهم لرؤية جديدة ومشروع جديد ومطالبتهم بذلك قبل وبعد الثورة. من أجل حشد الدعم اللازم، يجب على هذه الرؤية الجديدة أن تتصدى لحالة الجمود والرداءة السائدة والقطع مع المقاربات التدرجية والسطحية. يجب عليها تقديم آفاق واعدة وواقعية في ما يخص الوجهة التي يجب أن تتخذها البلاد لتمكين كل المواطنين من العيش بكرامة وحرية ومن تسليم أبنائهم وطنا حديثا ومزدهرا وحرا وعادلا.

إن رؤية البديل هي بناء مجتمع تونسي حديث وديمقراطي ومزدهر ومتضامن مع بقية الأطراف المتداخلة والتي لديها نظرة إصلاحية؛ مجتمع تونسي مبني على القيم المشتركة للتضامن والنزاهة والعمل وإحترام القوانين والمؤسسات. هدفنا هو وطن يعطي قيمة أكبر للثقافة والتراث ومنفتح على بيئته الاقليمية والدولية؛ وطن يمنح لجميع مواطنيه البيئة والحرية اللازمين لبعث المشاريع والخلق والإبداع بالإضافة لظروف عيش لائقة وتبعث على الازدهار ؛ بلد تنافسي بفضل تطور إقتصاده الحديث والمنتج المبني على استغلال المعرفة والإبداع وقدرات رأس مالها البشري الذي يمثل ثروة البلاد الفعلية.

الزامية وجود حوار اجتماعي لحشد الأطراف المعنية والالتفاف حول عقد اجتماعي مبني على رؤية جديدة. يلتزم البديل بجعل الحوار الاجتماعي الناجع والمسؤول أسلوبه الأساسي للحوكمة من أجل تجذير المقاربة التشاركية في ثقافة تنمية البلاد وحشد دعم المواطنين لتحقيق رؤية جديدة والانطلاق في التغييرات الكبرى اللازمة. حيث أن هذه الرؤية الجديدة تتطلب تغييرا في طرق تفكيرنا وطرق عملنا وخياراتنا المؤسساتية والاقتصادية والسياسية. يجب اقرار هذه الخيارات بطريقة جماعية.

برنامجنا للإنقاذ والتنمية المتضامنة لتونس

يستوجب تحقيق الرؤية المقترحة تطبيق برنامج إصلاحات جوهرية ومتناسقة وناجعة في ما يخص تحقيق نتائج ملموسة وهذا ما يتطلب جهودا جماعية على المدى الطويل ومنهجية عمل وكثيرا من الصبر لكي يتمكن المواطنون من إدراكها. تشير الدروس المستخلصة من التجارب المشابهة لضرورة توفر مؤسسات (من حيث القواعد والهيكلة) ذات جودة عالية خاصة في جانب تطبيق القانون بصرامة ومبادئ الحوكمة الرشيدة وتواجد قيادة ملتزمة بتطوير البلاد باتخاذ قرارات حول اختيار الكفاءات اللازمة والسياسات الاقتصادية التي تشجع على الاستثمار المنتج التشغيل والتنافس الذي يقطع مع الامتيازات والمحاباة.

المبادئ الثلاث الضرورية لتحقيق الرؤية. مكنتنا النقاط التي سبق ذكرها والنقاشات الداخلية بين الخبراء وأعضاء البديل من رسم المبادئ الاساسية القادرة على توجيه برنامج قطيعة مع السياسات والممارسات السابقة والتي ستمكننا من الوصول الى الاهداف المرسومة. يجب أن تتجه جميع الجهود نحو تنمية قدرات مؤسسات الدولة وتفعيل الاستراتيجيات الملائمة ومناهج التصرف الناجعة والعمل المهيكل لتحقيق هذا المشروع الجديد لتونس. لذلك، قررنا اعتماد ثلاث مبادئ:

●دولة قوية وذات رؤية استراتيجية ومبادرة وحامية لمصالح جميع التونسيين؛

●إدارة مسؤولة ناجعة وسريعة وكفؤة؛

●حوار اجتماعي اقتصادي ناجع ومسؤول لضمان مشاركة جميع الشركاء والمجتمع المدني.

محتوى البرنامج

المكونين الأساسيين للبرنامج. بالإضافة للتحاليل السابقة والمبادئ التي أقررناها يجب أن يستجيب البرنامج لحاجتين أساسيتين. الأولى هو تقديم حلول للمشاكل الفورية للمواطنين لإيقاف معاناتهم والانطلاق في إرجاع الثقة الاجتماعية التي تمثل العنصر الأساسي للتنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي بينما تتمثل الثانية في بناء اساسيات صلبة للمنوال الإقتصادي الجديد. يستوجب منوال مماثل الالتزام بتحول سريع في المؤسسات وقواعد اللعب المناسبة لتطوير اقتصاد المعرفة يكون عالي الإنتاج ومفرز لمواطن شغل ذات قيمة عالية واكثر شمولية وأكثر تنافسية. استجابة لكل هذه الحاجيات الاساسية يرتكز برنامجنا على مكونين اساسيين:

●المكون الأول يتضمن مجموعة متناسقة من التدخلات العاجلة هدفها الأساسي هو الاستجابة للحاجيات الفورية و الاستعجالية للمواطنين والانطلاق في استرجاع الثقة.

●المكون الثاني هدفه الأساسي هو إعادة تأسيس منوال التنمية الذي سيؤدي الى بناء اقتصاد منتج وتنافسي ومتضامن قادر على خلق الفرص الاقتصادي ومواطن الشغل المتاحة لجميع المواطنين.

المكون الأول: استرجاع الثقة والعدالة الاجتماعية ـ الاستجابة للحاجيات المستعجلة للمواطنين

نقترح حزمة من الإجراءات الاستعجالية هدفها استرجاع ثقة المواطنين وتحقيق العدالة الاجتماعية التي ستؤدي حتما الى تحسين أوضاع الشعب وانتعاش الاقتصاد والاستجابة الى توقعات الجميع.

تتلخص أهم الإجراءات في النقاط الآتي ذكرها:

تأكيد علوية القانون والنظام العام: يعتزم البديل الدفاع على مبدأ الدولة القوية والديمقراطية والقيام بكل ما هو لازم لاسترجاع وتقوية دور الدولة ومؤسساتها : دولة قوية وتحمي مواطنيها وحقوقهم وتضمن الصالح العام والنظام العام ويطبق بصرامة وعزم ودون تمييز قوانينا ناجعة وعادلة. فبالإضافة لخطاب واضح وصريح تواجه بها السلطة التنفيذية الشعب حول السياسات التي سيتم تطبيقها يجب تدعيم وتجهيز جميع المؤسسات التي تضطلع بمهام الحفاظ على الأمن لكي تتمكن من القيام بمهامها بكل حرفية وسرعة.

الضغط على التضخم والتحسين في المقدرة الشرائية للمواطنين: في هذا الإطار يجب تطبيق مجموعة من الإجراءات:

-تنقية مسالك التوزيع والضغط بحدة على الوساطة والمرابحة؛

-الحفاظ على المقدرة الشرائية للطبقات الاجتماعية الهشة عبر إصلاح منظومة المساعدات المالية المباشرة؛

-الضغط على الواردات غير الضرورية بهدف تخفيض العجز الجاري والتضخم (استقرار الدينار)؛

-دفع الامكانية الحالية غير المستعملة للانتاج (خاصة في مجالات الفلاحة والصناعات الغذائية) لزيادة العرض.

التحسين في الخدمات العمومية و ظروف عيش المواطنين

-إطلاق برنامج وطني لتحديث البنية التحتية والتجهيزات المدرسية في كامل تراب الجمهورية (الصيانة، اعادة التأهيل...)؛

-إطلاق برنامج وطني لتحسين التجهيزات والبنية التحتية لقطاع الصحة العمومية (مراكز الصحة الأساسية، المستشفيات الجهوية...)؛

-البرنامج الوطني "مدينتي النظيفة" بالشراكة مع البلديات والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني؛

-وضع برنامج أشغال اعادة تأهيل شبكة النقل العمومي وتوزيع المياه (التخفيض في الخسائر وتلوث الشبكات) والصرف الصحي؛

-وضع برنامج صيانة وتدعيم شبكة الطرقات والمسالك الريفية خاصة في الجهات الداخلية؛

-إعادة تأهيل والتحسين في مستوى البنية التحتية والتجهيزات الحضارية في كل التجمعات السكنية مع إيلاء اهتمام خاص للأحياء الشعبية.

تعزيز الاستثمار وخلق فرص العمل ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تلاقي صعوبات

-تبسيط وحذف الاجراء ات الادارية والتراخيص غير الضرورية للاستثمارات المنتجة الخاصة والمواطنية؛

-تدعيم برنامج دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تلاقي صعوبات (دعم تقني ومالي، تخصيص حصة في الميزانية...)؛

-التسريع في تسوية متأخرات الدفع ومستحقات الدولة على المؤسسات العمومية والخاصة؛

-تدعيم مقدرة تمويل وتطوير منظومة القروض الصغرى لمزيد الاستجابة لطلبات الشباب وخاصة النساء منهم؛

-ترشيد برامج دعم خلق فرص تشغيل الشباب (أحسن استهداف لمضاعفة خلق فرص التشغيل)؛

-وضع برنامج استعجالي لتحسين وضعية التصرف والتنفيذ للإدارة المركزية والمحلية (شرط ضروري لنجاح المكون الأول للبرنامج).

التخفيض في عجز الموازنات (بما في ذلك العجز الطاقي) واستقرار الدينار

-ترشيد الواردات باعطاء الاولوية للمواد الاساسية (التجهيزات، المواد الاولية، الادوية...)

-برنامج لاعادة انتاج وتحويل مناجم الفسفاط والمجمع الكيميائي لارجاعه تدريجيا لمستوى يقارب إنتاج ما قبل 2010

-التسريع في تطبيق الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مايخص برنامج الطاقات المتجددة (التركيز على محطات التوليد الكبرى المنتجة ل 300 ميغا وات فأكثر)؛

-تدعيم برامج التحكم في الطاقة في أهم القطاعات المستهلكة (البناء، النقل، الصناعات...)

الضغط على العجز المالي والدين العام

-ترشيد المصاريف العمومية (مراجعة المصاريف والأولويات خاصة في مجال الاستثمار العمومي)؛

-تحسين استخلاص المداخيل الجبائية (تنظيم وتدعيم الاستخلاص، نظام المعلومات، حسن تنظيم المراقبة...)؛

-ترشيد الدعم لاستهداف الطبقات الهشة والتخفيض من ضغطه المالي؛

-مراجعة الاستثمارات العمومية المبرمجة والتي لم يقع البدء فيها بعد (التثبت من تطابق البرمجة مع الفاعلية)؛

-وضع برنامج إعادة هيكلة (كل حالة على حدة) للمؤسسات العمومية لضمان استمراريتها المالية.

المكون الثاني: إعادة تأسيس منوال التنمية لاقتصاد منتج وتنافسي ومتضامن ومستدام

تنمية سريعة وتحقق التناصف الاجتماعي وأكثر احتراما للبيئة والمحيط. كما سبق وبينا تتمحور مقاربتنا الجديدة للتنمية حول بناء اقتصاد المعرفة يكون ذو انتاجية عالية ويتمتع بتنافسية جيدة وقادر على خلق فرص للجميع. يتمثل المحرك الأول لتحقيق الديناميكية ولتنمية البلاد في استعمال المعارف والتكنولوجيات الحديثة بفضل قدرات رأس المال البشري التونسي حيث يجب تحريره من التعقيدات البيروقراطية ومنحه تكوينا وتعليما أفضل ليكون قادرا على المبادرة والإبداع ومواصلة مسار التكوين المستمر والقدرة على التأقلم مع متطلبات التحولات السريعة للقرن 21.

ترتكز أهم الإجراءات المندرجة في إطار هذا المكون الثاني حول برامج إصلاح عميقة افقية و قطاعية من جهة وحول تدعيم قدرات المؤسسات العمومية لتكون قادرة على التخطيط والتطبيق وحسن في برامج التنمية والخدمات العمومية. يجب أن تساهم هذه الإصلاحات أيضا في خلق ثقافة شراكة مسؤولة جديدة أين يتمتع كل طرف بحقوقه وواجباته وأين تتكامل قيمة التضامن مع قيمة الاحقية والمكافأة على مجهودات وتضحية الجميع وأين يمثل الحوار الاجتماعي الاقتصادي والتشاركية منهجا آليا للتصرف في الشؤون العامة.

سيقع تفعيل خمس برامج اصلاحية كبرى قطاعية لبناء أسس منوال التنمية الاقتصادية والاجتماعية الجديد لتونس:

●تحديث المؤسسات لجعلها أكثر نجاعة وقادرة على خدمة المواطنين؛

●بيئة ملائمة للاستثمار وبعث المشاريع والابتكار؛

●السياسات الاجتماعية والثقافية اللازمة لتحقيق التضامن خاصة عبر إنعاش وتحديث المصعد الاجتماعي؛

●إعادة برنامج التهيئة الترابية وحماية البيئة.

مؤسسات حديثة وناجعة

دولة ذات رؤية استراتيجية وحامية، إدارة ناجعة، سياسات إقتصادية تشجع على الابتكار والتكنولوجيات الحديثة، نظام قضائي ناجع وذو مصداقية. يتطلب تحقيق هذا الهدف وضع عدد هام من الإجراءات (الرجاء النظر للتقرير الرئيسي) وفيما يلي تلخيص لها:

دور أكثر ملائمة لمتطلبات الدولة الحديثة: يجب اعادة تعريف دور الدولة يتلاءم أكثر مع متطلبات مجتمع حر ومطلبية اقتصادية واجتماعية مرتفعة وعالم يشهد تغيرات متواصلة. بالإضافة لدورها السيادي، يجب على الدولة:

-تحضير وتطبيق بالشراكة مع بقية الأطراف الفاعلة استراتيجيات تنمية البلاد؛

-خلق بيئة ملائمة للاستثمار والابداع وخلق الثروة؛

-تسهيل المبادرات والتشجيع على المنافسة والتصدي للمحاباة والامتيازات؛

-التحفيز على التآزر وتضافر الجهود والشراكة بين جميع القطاعات (خاص، عام ومجتمع مدني)؛

-إعداد الدراسات الاستشرافية لإرشاد الخيارات الاستراتيجية المستقبلية؛

-التأكد من تطبيق القانون ومن تحقيق العدالة ومن القضاء على الفساد؛

-حماية حقوق المواطنين والفئات المستضعفة؛

-وأخيرا توفير خدمات عمومية ذات جودة ومتوفرة للجميع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

إدارة كفؤة وناجعة في خدمة المواطن. نقترح تحولا عميقا في الادارة التي تعاني من قصور واضح. يشمل هذا التحول: دور ومهام الإدارة، تنظيمها الداخلي وتراتيب عملها، التصرف في الموارد البشرية (اليد العاملة ومؤهلاتها، سياسة الأجور، نظام الترقيات...). كما يجب أن يغطي أيضا هذا التحول التسريع في تطبيق مسار رقمنة جميع الخدمات لصالح المواطنين والفاعلين الاقتصاديين.

من بين عديد الإصلاحات العاجلة نقترح:

-خلق وحدات تنفيذ صلب كل وزارة للتخطيط والتصرف في الإصلاحات الداخلية ومتابعة تطبيقها؛

-استقطاب ما يقارب 2000 إطار (والحاقهم بوحدات التنفيذ) يتم اختيارهم على قاعدة معايير الكفاءة وتكوينهم تكوينا سريعا حول تحليل السياسات العمومية والتصرف الحديث في البرامج العامة؛

-تبسيط الاجراء ات الداخلية وترشيد طريقة عمل الخدمات العمومية؛

-ترشيد عدد العاملين في الادارة وجعل الادارة أكثر جاذبية للكفاءات العليا.

منظومة قضائية ناجعة ومسؤول وذات مصداقية. يمثل تحديث المنظومة الاقتصادية والسجنية أولوية مطلقة. يتضمن برنامجنا الإجراءات الدقيقة التالية:

-دعم استقلالية وذاتية القضاء: إعادة تعريف مهمة ودور وعلاقة النيابة العمومية بالسلطة التنفيذية وتفعيل المجلس الأعلى للقضاء؛

-أخلقة المنظومة القضائية و السجنية: اعتماد مدونة سلوك وأخلاقيات متطابقة مع المعايير الدولية لكل سلك من العاملين في قطاع القضاء؛

-التحسين في نجاعة وجودة القضاء وحماية حقوق المتقاضين: مراجعة وملائمة مجلة الإجراءات الجزائية مع القواعد الدولية ومن ثم المواصلة مع بقية القوانين في نفس الصدد؛ مراجعة وتبسيط القوانين في ما يخص تطبيق الاحكام (مجلة الإجراءات المدنية والتجارية)؛ إصدار قانون أساسي لتسهيل وصول النساء للقضاء وحمايتها ضد العنف.

-تحسين نجاعة الإدارة القضائية خاصة المحاكم ومراكز الإيقاف، بالغاء بعض الاجراءات المعطّلة كتلخيص الاحكام الاّولية في مستويات التقاضي غير النهائيّة (هذا اقتراح يقدّمه بعض القضاة لتخفيف عمل القضاء وتقليص مدد التقاضي والحدّ من البيروقراطية) حيث تم تحضير برنامج متكامل من اجل اعادة تأهيل وتجهيز المحاكم، رقمنة الملفات والارشفة الالكترونية، تحديث التكوين الأولي للقضاة…

بيئة ملائمة للاستثمار وبعث المشاريع والابداع

مأسسة الاستقرار الاقتصادي. وضع مجلس وطني للمالية العمومية هدفه الأساسي السهر على احترام عدد معين من القواعد والمؤشرات الاقتصادية لتجنب الانحرافات الملحوظة في المالية والدين العمومي. إن المؤشرات العمومية التي يجب متابعتها عن كثب هي التالية: رصيد الميزانية (3 ـ 4 % من الناتج الداخلي الخام)، نسبة الدين العمومي (60 ـ 70% من الناتج الداخلي الخام، نمو النفقات (أقل من النمو المتوقع)، مستوى عائدات الضرائب (للحد من الضغط الجبائي).

تدعيم المالية العمومية. نقترح وضع إجراء ات ملموسة تمكننا من التحكم تدريجيا بالتوازنات المالية والحد من الدين العمومي. من بين الإجراءات التي نقترحها: اعادة نشاط إنتاج الفسفاط لسالفه (المفاوضات ومن ثم تطبيق القانون، مراجعة وإعادة ترتيب أولويات النفقات، وترشيد الدعم وتدخلات الدولة، تحسين المراقبة واستخلاص الضرائب، استعمال أكثر نجاعة لموارد الدولة…

تحسين سريع ومنتظم لبيئة الأعمال ودعم بعث المشاريع. لا تنفك بيئة الأعمال عن التدهور والتراجع بينما هدفنا هو جذب الاستثمار. من الضروري الآن تعديل الأوضاع وتحرير جميع الطاقات والمبادرات وخاصة من طرف الشباب الباحث عن الفرص والدعم لتطبيق أفكارهم والمساهمة في تنمية البلاد. من بين الإجراءات التي يجب الانطلاق فيها فورا، يمكننا ذكر:

-دعم وترشيد طريقة عمل العديد من المؤسسات (وكالة النهوض بالصناعة والتجديد، وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية...) المهتمة بتوفير المناخ الملائم للاستثمار والتفعيل الفعلي للشبابيك الموحدة لخفض تكاليف المعاملات وتسهيل الاستثمار؛

-حذف التعطيلات البيروقراطية وتبسيط جميع الاجراءات الادارية الخانقة للمواطنين والمؤسسات؛

-التعديل أو الحذف، حسب الحالة، لكل القوانين التي يمكن أن تؤدي لاخلالات أو حماية دون موجب أو تعطيلات للمنافسة الشريفة بين جميع الفاعلين في القطاعات المنتجة؛

-تبسيط ورقمنة الإجراءات الجمركية والتسهيلات بالموانئ وفي نفس الوقت تحسين مردودية الخدمات بالموانئ...

-إتاحة التمويل وترشيد طريقة عمل هياكل تمويل الشركات الصغرى والمتوسطة (تقييم المشاريع، نظام الضمانات، التحكم في المخاطر...)

-تقليص تكاليف البنية التحتية وتسهيل المعاملات للرفع من تنافسية منتجاتنا في الأسواق الداخلية والخارجية.

سياسة صناعية جديدة من أجل تحول هيكلي نحو الأنشطة ذات القيمة المضافة العالية: لم تتطور السياسة الصناعية كثيرا كما ان نتائجها متفاوتة ويبدو ذلك واضحا إن قيمنا التحول الهيكلي الضحل الذي أنتجته. يتمثل هدف السياسة الصناعية الجديدة الذي تقترحه في خلق أكبر عدد ممكن من مواطن الشغل ودعم النمو والمساهمة في تطوير الإنتاج الوطني نحو أنشطة ذات قيمة مضافة عالية.

من ضمن التوجهات الاستراتيجية الكبرى والمحاور الكبرى للسياسة الصناعية الجديدة يمكننا ذكر:

-إنشاء المجلس الوطني للتنمية الصناعية بهدف ريادة السياسة الصناعية الجديدة وتحقيق التنسيق اللازم بين السياسات العامة في مختلف القطاعات وتقييم وتعديل السياسات حسب تطورات السوق العالمية؛

-وضع وتطبيق خطة عمل لتسريع تحول بعض الانشطة الصناعية نحو مجالات وأنشطة أكثر تعقيدا وذات محتوى تكنولوجي عالي (كهربائي والكتروني، سيارات، طيران، كيمياء وصناعات الأدوية، صناعات غذائية، خدمات الهندسة...)

-ترشيد حالات تدخل الدولة والتحفيزات العديدة من أجل توجيهها نحو تحول هيكلي حقيقي حيث نقترح تفعيل خطة لملائمة السياسات القطاعية مع متطلبات الثورة الصناعية الجديدة (صناعة 4.0 أو الثورة الرقمية): تدعيم وتحديث منظومة الابتكار والبحث والتركيز أكثر على الشراكات مع المؤسسات وإصلاح منظومة التعليم وتكوين الكفاء ات ودعم مناهج الاقتصاد الأخضر؛

-مساندة بعض القطاعات غير المعقدة وغير الحديثة ذات القدرة التشغيلية العالية (النسيج...) للحفاظ على مواطن الشغل ومساعدتهم لتحسين انتاجيتهم وغزو أسواق جديدة.

تعزيز مشاركة مواطنينا بالخارج في تنمية البلاد. بلغ عدد التونسيين بالخارج سنة 2017 أكثر من 1.3 مليون تونسي 97% من بينهم يقطنون في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كما أن أكثر من ربع هذه الشريحة متحصلون على شهائد عليا وتتزايد هذه الشريحة بسرعة نظرا لتفاقم الهجرية في السنوات الأخيرة. فبالاضافة الى عملية تحويل الأموال (ما يضاهي 5% من الناتج الداخلي الخام كل سنة) يمكن أن تقدم الجالية التونسية بالخارج مساهمات اقتصادية واجتماعية ثمينة لتحقيق النمو. يعتزم البديل وضع سياسة تحفز مساهمة مواطنينا بالخارج في هذا المسار من جهة كما تدافع عن حقوقهم ومصالحهم من جهة أخرى : حوكمة مناسبة، دعم جاليتنا، تثمين لقدراتها، تأطير ودعم للشباب الباعث لمشاريع...

السياحة: استراتيجية جديدة لتحقيق التحديث والنمو المستدام:

تمثل السياحة قطاعا اقتصاديا بالغ الاهمية حيث يساهم بنسبة تتراوح بين 7% و 12% من الناتج الداخلي الخام (حسب السنوات وحسب المصادر) كما يساهم ب 10% من تصدير السلع والخدمات . يشغل قطاع السياحة 15% من اليد العاملة النشيطة بطريقة مباشرة وغير مباشرة . لكن هذا القطاع يعاني من عديد المشاكل الهيكلية: غياب التنويع وتقديم منتوج ذو جودة منخفضة (معدل المدخول المباشر لليلة الواحدة يناهز 75 دولار)، غياب استراتيجية لتطوير القطاع، قدرة منخفضة لحوكمة القطاع من طرف المؤسسات العمومية، بنية تحتية مهترئة وجودة خدمات متدنية، وضعية مالية صعبة جدا لعديد الفنادق.

تهدف استراتيجيتنا للقطاع الى تحقيق تحول كلي في الحوكمة والعرض والديناميكية التجارية وصورة وجاذبية السياحة التونسية بهدف استهداف حرفاء جدد (يوفرون مرابيح أكثر ويجعلون من تونس وجهتهم الاولى).

تتمثل المكونات الاساسية لهذه الاستراتيجية في:

-تحديث طريقة حوكمة القطاع: نقترح إصلاحا جذريا في التنظيم المؤسساتي وطريقة حوكمة القطاع (سرعة أكثر في التعامل، نجاعة مضاعفة للمؤسسات). سيقع اعادة تعريف دور الوزارة كما سيقع تدعيم قدرتها على التصرف والمتابعة (التأطير والمشاركة، التكوين، إعادة التأهيل، التحول الرقمي...). سيقع تدعيم وإعادة هيكلة الهيئات الحالية والبعثات في الخارج واسنادهم مهام جديدة تتماشى مع الاستراتيجية المرسومة واستعمال التكنولوجيات الحديثة. سيقع تحديث الاطار القانوني (بما في ذلك التحفيزات والجباية...) لجعله أكثر بساطة وشفافية والاهم من ذلك أكثر إلزامية. سيقع تقوية المهنة بمختلف اوجهها وبالأخص التصرف في القطاع بالشراكة مع الادارة (سياسة تنويع القطاع، الرفع في الجودة، الدخول لأسواق جديدة...)

-تقديم عرض أكثر تنوعا وأكثر ادماجا للجهات. يمثل تنويع منتجات القطاع واستغلال جميع إمكانيات البلاد أولوية مطلقة لكل القطاع: السياحة الثقافية (ترميم وصيانة المواقع التاريخية)، سياحة الأعمال (تحسين البنية التحتية والخدمات اللوجستية)، تحسين الفنادق الشاطئية (الرفع في طاقة الاستيعاب وتحسين الخدمات)، السياحة المحلية والجهوية (مواقع مهمة في الجهات)، الصحة والرياضة. سيقع تشجيع صيغ جديدة للإيواء ووضع إطار قانوني تحفيزي. لن يتمكن تنوع السياحة من إعطاء نتائج ملموسة إلا بعد فتح الفضاء الجوي بهدف تخفيض أسعار الدخول للسوق التونسية عبر تنافسية أكثر بين شركات الخطوط الجوية.

-التميز عبر جودة الخدمة. يجب أن يمثل "التميز" العلامة التجارية للسياحة التونسية على جميع المستويات: الاستقبال في المطارات، النقل المحلي، تقديم الخدمات في النزل والمطاعم، البنية التحتية والتجهيزات، النظافة والصيانة الالية والدائمة لجميع المواقع الاثرية والتاريخية والمواقع الثقافية والمدن العتيقة والاسواق وجميع المواقع الاخرى... سيقع وضع برنامج خاص بالشراكة مع مهنيي القطاع لجعل علامتنا التجارية فارقة كما سيكون التكوين المستمر والرسكلة في صلب هذا البرنامج. 

-التنقية المالية للقطاع. إن تنقية الوضعية المالية لعدد من الفنادق صار امرا استعجاليا. سيقع التفكير في الحلول الممكنة بعد التشاور مع المهنيين الذين يهمهم الأمر. يجب أن تحترم الحلول التي سيقع اعتمادها حقوق جميع الأطراف المتداخلة وفي إطار احترام القانون. سيقع إنشاء هيئة تحدد مهامها مسبقا بعد اتفاق الجميع لتطبيق الحلول المقترحة.

السياسات الثقافية والاجتماعية: من أجل تماسك اجتماعي أفضل

الثقافة: أولوية لتأكيد شخصيتنا التونسية وتدعيم التماسك الاجتماعي

تعاني السياسات الثقافية التي اعتمدت مؤخرا من قصور واضح:مركزية التصرف في الثقافة بمشاركة منعدمة أو ضعيفة للمهنيين والداعمين للثقافة؛ دولة تتحكم في المجال بالرغم من النواقص وقلة الوضوح في السياسات المعتمدة؛ قدرة هزيلة على التخطيط والتصرف في المؤسسات العمومية الناشطة في المجال؛ إمكانيات مالية محدودة جدا؛ غياب المتابعة وتقييم السياسات والبرامج.

اعادة تنشيط وتثمين ثقافتنا لتأكيد شخصيتنا التونسية وتدعيم وحدتنا وتقاسم تراث ثقافي ثري بتاريخه ومتناغم مع عصره. يقترح البديل سياسة ثقافية فعلية جديدة أهدافها هي التالية:

  1. دعم وتحفيز الابداع والخلق والإنتاج والنشر والتوزيع واتاحة الانشطة والمنتجات والخدمات الثقافية المتنوعة
  2. الحفاظ على وتثمين وتطوير موروثنا الثقافي (المادي والمعنوي) ومضاعفة مساهمته في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد
  3. اتباع حوكمة مستنيرة شفافة وتشاركية للاستفادة من القيمة المضافة لكل الاطراف وحشد وتنويع مصادر تمويل الانشطة الثقافية وتنمية مهارات التصرف عند جميع المعنيين بمجال الثقافة.

تتضمن خطة العمل المقترحة النقاط التالية بهدف تحقيق الاستراتيجية الجديدة:

-تحديث طريقة حوكمة القطاع وتدعيم الشراكات وتقوية مهارات التصرف في المؤسسات العمومية. من الضروري إرساء حوكمة تشاركية في التصرف في مجال الثقافة أكثر من أي مجالات ٱخرى. سيقع إعادة تعريف دور الدولة في هذا المجال وتدعيم قدرتها على التخطيط والتصرف (التكوين، منظومة المعلومات...) كما سيتم إعطاء مكانة أهم لمهنيي قطاع الثقافة والجمعيات والمستثمرين (بشروط).

-لامركزية التصرف في مجال الثقافة. نقترح المرور من منظومة شديدة المركزية الى منظومة لامركزية أين يساهم الفاعلون الثقافيون المحليون في تحديد وترتيب الأولويات وتنفيذ البرامج والمشاريع الثقافية في جهاتهم ومدنهم وقراهم. سيتم تطبيق وتخطيط وبرمجة سياسة اللامركزية المقترحة ونسق إنزالها على أرض الواقع مع جميع الأطراف المتداخلة.

-تنويع مصادر التمويل وإصلاح منظومة التمويل العمومي للقطاع. نطمح لمضاعفة الميزانية المخصصة ووضع آليات ومعايير واضحة لجعل منح التمويلات العمومية شفافة ومتطابقة مع أهداف السياسة الوطنية للثقافة كما يجب حشد أكثر موارد مالية للقطاع من طرف الجمعيات والمنظمات والمؤسسات المانحة ودعم بعض الانشطة من طرف الخواص مع الشراكة مع الدولة.

-إطلاق برنامج وطني لإعادة تأهيل وترميم التراث والأصول الثقافية. حالة عديد الأصول الثقافية (دور الثقافة، مكتبات، متاحف...) والإرث التاريخي (مدن عتيقة، مواقع أثرية...) رثة جدا. نقترح برنامجا جديدا يتضمن إجراءات استعجالية لاعادة تأهيلها وتجهيزها لتصير جاهزة للاستغلال.

التربية والتعليم: منظومة تربوية تركز على تكوين المهارات والفكر النقدي والقدرة على التعلم والتأقلم للاستجابة بطريقة أفضل مع متطلبات القرن 21:

يمثل تحسين جودة التعليم من أهم التحديات وأكثرها استعجالية. إن أم الإصلاحات هو إصلاح المنظومة التربوية ويجب أن تنخرط الدولة في هذا المسار بكل قناعة وحزم. يحتم علينا خيارنا في الاتجاه نحو منوال تنمية مرتكز على الاستغلال المكثف للمعارف وأهمية دور التعليم والتكوين في الإدماج و اعادة المصعد الاجتماعي، بان نقوم بتحديث منظومة التربية والتكوين وتحسين جودة مخرجاتها لنمنح المواطنين مهارات التعلم والتأقلم تمكنهم من استغلال وخلق فرص التنمية والتمكين الذاتي. منذ نهاية السنوات 80 وبالرغم من عديد محاولات الإصلاح، تعرف المنظومة التربوية التونسية مشاكل عديدة و تدهورا متواصلا لجودته. فحسب تصنيف البرنامج الدولي لتقييم الطلبة لسنة 2015، يقع ترتيب تونس بين آخر خمس دول من بين 74 دولة. فقد فقد التكوين المهني والتعليم التقني و حتى التعليم العالي نجاعتهم وجودتهم. كما لا تصنف أول جامعتين تونسيتين إلا في المراتب بين 800 و 900 في ترتيب 2018 Shanghai ARWU. كما بقيت نسبة بطالة الشباب مرتفعة جدا لمدة سنوات (30%). إن جودة التكوين سبب مؤكد لهذه الوضعية.

إن أسباب أزمة منظومتنا التربوية الحالية هي نفس الوقت مؤسساتية وهيكلية. يمكن تلخيص أهم مكامن الضعف كالتالي:

-طريقة حوكمة بالية و قدرات مؤسساتية ضعيفة جدا للتحكم في منظومة بهذا التعقيد وبهذه المطلبية المرتفعة. إن حوكمة المنظومة تتميز بمركزية شديدة حيث نلاحظ غياب أي آلية مستقلة للتقييم الدوري للأداء (من ناحية الجودة) أو لمعرفة حاجيات الاقتصاد الوطني.

-غياب الكفاء ات المهنية وتدني مستوى جاهزية عدد كبير من المربين (في جميع المستويات). يعاني جزء كبير من المدرسين من عدم الجاهزية للقيام بهذه المهنة حيث تبلغ نسبة المدرسين في التعليم الابتدائي والثانوي الذين لا يستجيبون للمعايير اللازمة لأداء هذه الوظيفة 12%.

-أساليب تعليم بدائية تفضل "حشو العقول" على المعرفة حيث تركز هذه الاخيرة على "التمدرس" (الحفظ، الحفظ عن ظهر قلب، نقل المعلومات...) بدلا عن تنمية مهارات التعلم.

-برامج رجعية مقارنة بالحاجيات الاقتصادية الكثيرة التغير حيث يقع الى حد الان استعمال برامج ومحتويات بالية وبدائية.

-تجاهل تعليم الصغار رغم أهميته في صقل المهارات المعرفية للأطفال الصغار يبقى تعليم الصغار في خطواته الاولى ان لم نقل أنه معدم.

-نقائص فادحة في البنية التحتية والتجهيزات المدرسية . فبينما نرى أن الميزانية المخصصة للقطاع جيدة نسبيا (6.5% من الناتج الداخلي الخام) تبقى حصة الصيانة والاستثمار ضمنها منخفضة جدا (مايقارب 3%) بينما تغطي اعلى نسبة والتي تناهز 97% الأجور.

-إن وضع سياسات اقتصادية جديدة لهذا القطاع لن يكون بالامر الهين كما انه غير موات للقيام بإصلاحات، حيث تهيمن على القطاع تيارات نقابية ناشطة جدا ومرتفعة المطلبية.

-إن الدولة ضعيفة وغير قادرة على تعبئة الدعم المجتمعي اللازم من اجل قضية بهذه الأهمية كما انها اكتفت بالتعامل مع النقابة و تحاشت الانطلاق في إصلاحات عميقة.

يلتزم البديل بتحديث منظومة التربية لتركز أكثر على تكوين المهارات وإرجاع دورها في تفعيل المصعد الاجتماعي ورفاه المواطنين. إن الرجوع للتجارب الدولية يشير الى ان اصلاح التعليم هو الأصعب من وجهة نظر تقنية وسياسية. بالإضافة للشجاعة السياسية، يجب أن تتوفر استراتيجية إصلاح واضحة و متماشية مع المتطلبات ناتجة عن تفاهمات شفافة وجيدة التنظيم و فريق كفؤ للقيام بتنفيذها. نقترح تركيز استراتيجية الإصلاح حول المحاور التالية، نذكر في ما يلي التوجهات الاستراتيجية الرئيسية لكل محور (كما يحتوي التقرير المفصل على كل المحاور):

-تحديث الحوكمة وتدعيم قدرات مؤسسات المنظومة التربوية بما في ذلك: جمع التعليم والتكوين المهني في وزارة واحدة وتركيز دور الوزارة الجديدة على التخطيط ومن ثم تنفيذ استراتيجيات تنمية القطاع؛ خلق هيئة مستقلة لتقييم جودة الأداء منظومة التعليم؛ منح ذاتية أكبر في التصرف للمؤسسات التربوية (حسب المستوى).

-الرفع في مستوى التأهيل ومهارات المربين. إن سر نجاح كل اصلاح يرمي الى تحسين جودة منظومة التربية والتكوين هو مستوى المدرسين: إعادة ضبط والانطلاق في تنفيذ سياسة جديدة للتكوين الأولي والاعتماد والتصرف (بما في ذلك التقييم) للمدرسين؛ وضع آليات للتكوين المستمر والرسكلة لدعم تنميتهم المهنية والحفاظ على الجودة.

-الإصلاح والتكييف المتواصل للبرامج و محاور التكوين على جميع المستويات. مع التطور السريع في المعارف والتكنولوجيات وحاجيات سوق الشغل . يجب أن تكون المنظومة التربوية قادرة على التطوير السريع لمحتوى برامجها لمختلف المراحل لتجهيز أفضل للتلاميذ والطلبة للتحولات (المحتوى، البيداغوجيا، تكوين المدرسين...)

-تعميم تعليم الطفولة المبكرة (السنوات التحضيرية) خاصة في الجهات الداخلية: تحضير وتطبيق برنامج وطني لتطوير تعليم التحضيري (أو الطفولة المبكرة) على كامل تراب الجمهورية (بالشراكة مع الجمعيات والقطاع الخاص ـ مما يمكننا من خلق آلاف مواطن الشغل).

-تشجيع مساهمة القطاع الخاص بالشراكة مع القطاع العمومي. يمكن للقطاع الخاص أن يلعب دورا هاما مكملا للقطاع العمومي من جهة و للمساهمة في تنمية تصدير خدمات عالية المستوى (جذب الطلاب الأجانب) من جهة اخرى بفضل ديناميكيته التجارية وقدرته على التأقلم مع الطلب الخارجي. ولذلك يجب تطويع الإطار القانوني والترتيبي وترك مساحة تصرف أكبر لوضع البرامج وعقد الشراكات مقابل رقابة منتظمة للتطابق.

-تحسين البنية التحتية والتجهيزات وبيئة العمل في جميع المؤسسات التربوية حيث نقترح برنامجا وطنيا للاهتمام بالعمليات الضخمة (إعادة التأهيل، التوسيع، التحديث، التجهيز...) مهمتها اكمال الاجراء ات الاستعجالية المعلن عنها في المكون الأول للبرنامج.

السياسة الاجتماعية: التضامن والجدوى المالية

إن السياسة الاجتماعية الحالية شمولية لكنها غير ناجعة اجتماعيا ولا يمكن تحملها ماليا. تمتلك تونس سياسة اجتماعية شاملة تغطي مجالا واسعا من المخاطر الاجتماعية (الشيخوخة، الأمراض، الحوادث المهنية...) من بينها:1. الضمان الاجتماعي، ويقع تمويله عبر المساهمات (نظام التقاعد، التأمين على المرض...) والمساعدة الاجتماعية للفئات الهشة و المستضعفة و 2. جملة من التدخلات الاجتماعية المباشرة وغير المباشرة تستفيد منها في بعض الحالات جميع فئات المجتمع وفي حالات اخرى لشريحة معينة من المجتمع (مختلف أشكال الدعم، والمساعدات القطاعية، برامج التنمية الخاصة...). تعرف المنظومة الحالية للتقاعد (الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية بالنسبة للقطاع العمومي والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالنسبة للخواص) عجزا هيكليا متناميا منذ أكثر من عشر سنوات. حيث بلغ العجز بالنسبة للصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية ما يقارب 800 مليون دينار تونسي و 300 مليون دينار تونسي بالنسبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في 2017. حسب التوقعات سيبلغ العجز في آفاق 2030 6000 مليون دينار بالنسبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي و 7000 مليون دينار بالنسبة للصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية. إن الأسباب الاساسية لهذه الوضعية هي: طول المدة (أكثر من 5 سنوات) والتغير الديمغرافي الذي تشهده الشريحة المعنية (انخفاض شديد في معدل المنخرطين بالنسبة للمتقاعدين) وتطور القطاع غير الرسمي الذي يعد عددا كبيرا من الأشخاص غير المنخرطين في المنظومة والضعف في الحوكمة (خسائر في المدخرات، انخفاض الاستخلاص وعدم تسجيل المنتدبين في القطاع الخاص في الصندوق).

اعادة هيكلة منظومة التقاعد لتحقيق توازنها المالي على المدى المتوسط والتطلع لامكانية تحقيق التغطية الشاملة على المدى المتوسط. تشير الدراسات والبحوث إلى أن الإجراءات الجزئية التي وقع اعتمادها الى الان (تعديل المعايير: سن التقاعد، الترفيع في المساهمات...) ومنها المتخذة حديثا تحققا أثرا على المدى القصير فقط (سنة الى سنتين). تستوجب استدامة المنظومة وجدواها المالية تحقيق إصلاحات عميقة لا تقتصر فقط على تعديل المعايير بل تشمل أيضا وخاصة توفير مصدر آخر للتمويل وادخال مكونات جديدة لإعطاء خيارات اكثر للمواطنين (الادخار، الجراية أو الجراية الاضافية...).

سيقع تنفيذ اعادة الهيكلة التي نقترحها على مرحلتين:

-على المدى القصير: نقترح جملة من الاجراءات تمكننا من الرجوع تدريجيا للتوازن المالي للمنظومة أهمها: ادخال مورد تمويل اضافي يمكننا من من الحد من الآثار السلبية (التشغيل، الاستثمار، القدرة الشرائية) للترفيع في المساهمات عبر توفير مصدر تمويل إضافي جبائي أو يمكن ضمان استخلاصه بسهولة وتعديل بعض المعايير للحد من حاجيات التمويل المستقبلية (حذف الأنظمة الخاصة...) ومراجعة الشروط الاولية للتقاعد المبكر للقضاء على التجاوزات الحالية وتحسين المراقبة واستخلاص الديون.

-على المدى الطويل: إعادة تنظيم كامل منظومة التقاعد لتحقيق استمراريتها وجدواها المالية وتكون أكثر إنصافا وشمولية. ستكون هذه المنظومة الجديدة موضوع دراسة معمقة وتشاور مع جميع الشركاء قبل إقرارها. تتضمن الملامح الرئيسية لهذه المنظومة الجديدة: خلق صندوق جديد عبر دمج الصندوقين الحاليين للقضاء على التفاوت في التعامل بين متقاعدي القطاع العام والقطاع الخاص و إرساء حوكمة جديدة مستقلة للصندوق الوطني الجديد للتقاعد وإعادة هيكلة النظام الحالي ليحتوي على 3 مكونات مما يحقق الجدوى المالية دون الترفيع في الدفوعات.

ترشيد الدعم عبر الاستهداف المباشر للعائلات التي يجب أن تتمتع بمساعدة الدولة من أجل تحقيق الإنصاف الاجتماعي واستعمال أفضل للموارد العمومية (صندوق الدعم). سيقع وضع نظام للاستهداف موثوق به وناجع (مبني على المعطيات الاجتماعية والاقتصادية بفضل الأبحاث الميدانية المكثفة ومعرف وحيد لكل عائلة / فرد ومنظومة معلومات من أجل تحديد العائلة التي هي في حاجة فعلية للمساعدة (حسب معايير الاستحقاق) عبر تحويلات نقدية مباشرة. سيقع استثمار الاموال المدخرة بعد هذا الإصلاح لتحسين الخدمات العمومية والخدمات الاجتماعية الاخرى.

دعم الاقتصاد الاجتماعي التضامني بهدف خلق مواطن الشغل خاصة للشباب ومضاعفة الخدمات المنتجة والمساهمة في التماسك الاجتماعي. يحظى الاقتصادي الاجتماعي التضامني في تونس بفرصة كبرى لم يتم استغلالها بعد. وهو الان هامشي بالمقارنة بما يمكن أن يضيفه للاقتصاد التونسي حيث لا يشغل حاليا الا 0.6% من اليد العاملة النشيطة ولا يضيف الا ما يقارب 1% من الناتج الداخلي الخام. ولذا يجب الانطلاق في وضع الأسس المؤسساتية وتقديم التحفيزات اللازمة لتطوير الاقتصادي الاجتماعي التضامني: هياكل دعم لباعثي مشاريع الاقتصاد الاجتماعي التضامني وتحديد قائمة بجميع المشاريع الممكنة والتفكير في النظام الجبائي والتحفيزات التي تتماشى وخصوصيات القطاع وتوفير مصادر التمويل وتكوين ومرافقة باعثي المشاريع…

دعم نشيط لتشغيل الشباب وبعث المشاريع من طرف أصحاب الشهائد. إن مشكل تشغيل الشباب خاصة أصحاب الشهائد لم يعد مشكلا فرديا بل صار مشكلا مجتمعيا. ففي الآن نفسه يتم حرمان الدولة من مساهمة وطاقة الشباب بينما يؤدي انعدام أفق حياة كريمة الى إحباط الشباب ويدفعهم الى الهجرة والعصيان وحتى زعزعة استقرار المجتمع. فبالاضافة الى تحسين جودة التعليم والتكوين التي تمثل أفضل سياسة للادماج الاجتماعي، يقترح البديل: تمويل برامج تكوين خاصة حسب حاجيات سوق الشغل وانشاء صندوق ومساعدة تقنية لتشجيع ومرافقة الشباب لبعث المشاريع (بما في ذلك Start Up). سيقع تقديم هذا الدعم من طرف مهنيين ذوي مستوى عالي وذلك انطلاقا من مرحلة تحديد المشروع إلى استكماله.

الصحة: إنعاش منظومة الصحة لتقديم أداء ذو جودة عالية ومتاح للجميع

تقديم خدمات صحة جيدة في المنطلق لكن غير قادرة على التأقلم مع تطور الحاجيات وتقديم أداء ذو جودة. بالرغم من تقديم عرض جيد وترفيع منتظم في الميزانية المخصصة للصحة العمومية (من 5% سنة 2000 الى 7% من الناتج الداخلي الخام في 2014) انخفضت جودة الخدمات بشكل ملحوظ حيث أن المساهمة الشخصية للمرضى في مصاريف العلاج مرتفعة جدا (36% عوض 20% حسب أرقام منظمة الصحة العالمية إن كانت المؤسسات الاستشفائية ناجعة) كما لا يقع استعمال البنية التحتية للصحة والتجهيزات كما ينبغي بينما نلاحظ هجرة هائلة للأطباء الى الخارج وتصحرا طبيا في الجهات الداخلية للبلاد. تعاني المستشفيات من قلة الامكانيات في ما يخص ميزانية التصرف كما نلاحظ صرف جزء كبير منها لتغطية كتلة الأجور.

يكرس البديل الاولوية التاريخية للصحة العمومية والحق الدستوري في صحة ذات جودة. يلتزم البديل بإعادة هيكلة وانعاش قطاع الصحة لتنزيل هذا الحق في ارض الواقع والاستجابة لحاجة اساسية للمواطنين: الرخاء. ان هدفنا هو تحقيق، على المدى الطويل، لجميع المواطنين الحصول على خدمات صحية ذات جودة كما تحدد ذلك برتوكولات سيقع تحضيرها وابرامها مع مهنيي القطاع. تتضمن سياستنا للصحة: اعادة صياغة تامة لمفهوم الصحة العمومية (ليصير مفهوما أوسع) وحوكمته وإعادة تنظيم لمنظومة الصحة وآليات تمويلها والتصرف فيها للرفع من جودة مردوديتها ومردودية خدماتها.

من بين عناصر هذه السياسة نقترح:

-اعادة تركيز دور وزارة الصحة على التخطيط الاستراتيجي والتصرف في القطاع وتعديله وتقييم السياسات العامة وطريقة التصرف وسياسة التكوين والبحث والتطوير؛

-اعادة تنظيم هياكل الصحة: خلق خدمات صحة ناجعة في الجهات (تحويل 3 مستشفيات جهوية الى مستشفيات جامعية في الشمال الغربي والوسط والجنوب الغربي) وإنشاء "اقطاب جهوية للامتياز" (ومدارس لعلوم وتقنيات الصحة) مقسمة حسب الاختصاص وتمكينها من الامكانيات اللازمة (لكل مجموعة من الولايات المتقاربة)؛

-إعادة تحديد سياسة الاستثمار ومعايير منح الموارد العمومية للتأقلم بسرعة مع التطورات الطبية للقرن 21 التي تتجه أكثر فأكثر إلى إقامة سريعة ومنصة تقنية أكثر نجاعة وتوفر أكثر للاطار الطبي (الضغط على المصاريف)؛

-تدعيم مسؤولية وذاتية هياكل الصحة، للمستشفيات الجهوية وغيرها فمن المهم أن تكون الذاتية في التصرف فعلية وأن تكون هياكل الصحة مسؤولة عند تقييم أدائها جودة خدماتها؛

-وضع سياسة جديدة في التصرف في الإطار الطبي رفيع المستوى (الاطباء، الصيادلة، أطباء الأسنان، التقنيين الساميين ، الممرضين وغيره من الكفاءات) لجذب والاحتفاظ بجميع الكفاء ات؛

-إعادة هيكلة الهيئة الوطنية للتقييم والاعتماد في المجال الصحي وتنمية قدراتها وضمان استقلاليتها اللازمة حسب خصوصيات مهمتها؛

-تطوير آليات تمويل منظومة الصحة (مستويات ومصادر التمويل) وإعادة تقييم أداء منظومة التأمين الصحي ونجاعة الصندوق الوطني للتأمين على المرض.

تدعيم دور وحقوق المرأة والعائلة في المجتمع التونسي. هناك فرق شاسع بين التشريعات التي تضمن حقوق المرأة والعائلة وحقيقة الميدان (عدم إلمام بالحقوق والطعون...). سيقع وضع سياسة جديدة لكي يصير ضمان حقوق المرأة والعائلة واقعا في مؤسساتنا ومجتمعنا بصفة عامة. بين عناصر هذه السياسة العامة التي ستمثل موضوع تفكير عميق:

-تدعيم تعليم وتكوين النساء في الوسط الريفي والحضري لتحسين ظروف مشاركتهم النشيطة في المجتمع (الوصول الى مواطن الشغل والخدمات القانونية وآليات التمويل...)؛

-تطبيق البروتوكولات والقوانين المتعلقة بحماية النساء والعائلة وخاصة ضحايا العنف بجميع أنواعه؛

-حماية الطفولة التي تهددها عديد المخاطر: الانقطاع المدرسي، الانحراف، المخدرات، الإرهاب... دعم التربية عن طريق السبل الاجتماعية والثقافية في مختلف مراحل الطفولة وإعادة بناء منظومة التربية المدنية داخل المدرسة وخارجها.

بنية تحتية ذات جودة لتحسين ظروف عيش المواطنين ومساندة تنافسية الاقتصاد

بنية تحتية متطورة نسبية تعاني من تدهور الخدمات وضعف في التصرف. مبدئيا، تتمتع تونس بشبكات وخدمات عمومية متطورة نسبيا (طرقات، موانئ بحرية وجوية، ماء، طاقة، شبكة اتصالات) حيث تم الاتفاق على استثمارات هامة لبناء هذه البنية التحتية. فكثافة الطرقات مرتفعة جدا مع تطور سريع لشبكة الطرقات السيارة. توفر هذه الخدمات قرابة 45 شركة ومؤسسة عمومية (من بينها 38 في قطاع النقل) كما أن مساهمة شركات القطاع الخاص ضعيفة ومتفاوتة جدا حسب القطاع. فهي مرتفعة في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ونقل البضائع لكنها ضعيفة في ما يتعلق ببقية الخدمات الاخرى بسبب استمرار هيمنة الدولة. تتميز قدرات وتنظيم المؤسسات العمومية بالضعف وتدهور الخدمات كما تراجع أدائها خاصة في الخدمات اللوجستية والموانئ والنقل الحضاري. كما تعاني هذه المؤسسات العمومية من أزمات مالية كبرى، فهي تتمكن من العمل فقط بفضل دعم الدولة الذي يعاني بدوره من أزمة متفاقمة. تخلف هذه الوضعية مصاريف مرتفعة يتكبدها المواطنون والاقتصاد الوطني كما تؤثر سلبا على القدرة التنافسية للبلاد.

صرامة أكثر في التصرف في البنية التحتية للبلاد وفي تقديم خدمات متوفرة للجميع. يقدم البديل استراتيجية لكل قطاع حسب خصائصه. إن الهدف الرئيسي هو إصلاح الوضع ومنح البنية التحتية الاقتصادية الدور الذي يجب أن تلعبه لدعم تنمية البلاد وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني و ظروف عيش المواطنين.

النقل:بنية تحتية وخدمات نقل ذات جودة عالية وجدوى مالية وآمنة. يلعب قطاع النقل دورا هاما في اقتصاد البلاد. تعاني خدمات النقل والبيئة التحتية من تدهور حاد. إن استراتيجية البديل جاهزة للنهوض بهذا القطاع والتحسين من ادائه.

في ما يلي العناصر الاساسية للاستراتيجية:

-تحديث التنظيم المؤسساتي لقطاع النقل. إن الهدف هو تطوير مؤسسات عمومية كفؤة وناجعة وقادرة على التصرف الجيد في قطاع نقل ذو جودة ومتاح لجميع المواطنين: الجمع بين الوزارتين (وزارة النقل ووزارة التجهيز) وتدعيم قدرات التخطيط والتصرف للوزارة الجديدة؛ العمل على تحقيق لا محورية السلط الساهرة على الخدمات المركزية بطريقة ناجعة؛ وضع نظام معلومات موثوق به يتم تحديثه بطريقة منتظمة ومتوفر على الانترنت؛ اطلاق برنامج للتكوين المستمر للإطارات (في التخطيط، الادارة، النقل...)

-اعادة هيكلة المؤسسات العمومية للنقل لتقديم خدمات أفضل بأسعار مناسبة لجميع الحرفاء. سيقع اعادة هيكلة المؤسسات العمومية عبر معالجة كل حالة على حدة بالاعتماد على دراسات مفصلة ومعايير موضوعية مثل: مصلحة الحرفاء والجدوى الاجتماعية والاقتصادية للموارد العمومية التي وقع استثمارها أو التي سيتم استثمارها. ستتخلى الدولة على الانشطة التي تقدمها مؤسسات عمومية تعاني من العجز و التفويت فيها للخواص الذين تتوفر فيهم شروط التنافس والشفافية.

قل بالسكك الحديدية ناجع وذو جدوى مالية. إن مسافات النقل في تونس (باستثناء نقل المواد المنجمية و النقل في الوسط الحضري) هي قصيرة نسبيا كما أن النقل البري متطور مما يترك مساحة ضيقة للنقل بالسكك الحديدية الذي يعتبر ذو جدوى اقتصادية. إن الاستراتيجية المقترحة تعتمد على التركيز على النقل بالسكك الحديدية بالنسبة للقطاعات و الاسواق التي يقدم فيها قيمة مضافة وتكاليف أقل لتفادي العجز الكبير الذي يعاني منه القطاع منذ سنوات. سيقع وضع خطة عمل لإعادة هيكلة الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية وتحديثها (البنية التحتية، التجهيزات، سياسة التصرف).

-إعطاء الاولوية للنقل العمومي الحضري. يلتزم البديل بالقطع مع الماضي ووضع سياسة للنقل الجماعي (أو العمومي) الحضري يمكننا من الاستجابة لتطلعات المواطنين ومن حماية البيئة من مخاطر التلوث والاكتظاظ. ترتكز هذه السياسة على المحاور الاساسية التالية : وضع خطة حركية حضرية تعطي الاولوية (في ما يخص الاستثمار) للنقل العمومي في التجمعات السكنية الكبرى؛ انشاء وكالات للنقل العمومي الحضري في اكبر 5 تجمعات سكنية كبرى في البلاد لتخطيط وتنفيذ خطة الحركية الحضرية ، التنويع في العرض عبر زيادة مشاركة الخواص (شراكات وتفويت)؛ اعادة هيكلة المؤسسات العمومية للنقل الحضري وتدعيم قدرات التصرف.

تحديث البنية التحتية للطرقات وصيانتها وتحسين الربط بين الجهات الداخلية وباقي البلاد. في ما يخص البنية التحتية يقترح البديل 1. تحسين القدرة في التصرف في الشبكة الحالية للحفاظ على هذا المكتسب المهم وتوفير مستوى جيد لهذه الخدمة للمواطنين 2. تحسين وضع النقل في الجهات الداخلية التي تعاني من تأخر في التطور.

تتضمن خطة عملنا الاجراءات الرئيسية التالية: تدعيم قدرة التخطيط والتصرف للادارة العامة للجسور والطرقات وإيلاء الأهمية لصيانة الشبكة ووضع برنامج للاستثمارات المستعجلة تشمل خطوط ربط سريعة بين مراكز الولايات الداخلية والساحلية.

تحديث البنية التحتية للموانئ والتحسين في مردودية الخدمات اللوجستية. يمثل تدهور الخدمات في موانئ تونس خاصة الترصيف ومختلف التسهيلات الاخرى (الديوانة وغيرها...) مصدرا لارتفاع التكاليف التي يتحملها الاقتصاد التونسي. تم تحضير استراتيجية كاملة لتصحيح الوضع تتضمن هذه الإجراءات: بناء محطة الحاويات الجديدة بميناء رادس بطريقة استعجالية (الارصفة 8 و9) والتفويت في استغلاله لاحد الخواص (التحسن الفوري في مردودية الترصيف والشحن ـ نقترح ميناء النفيضة على المدى الطويل)؛ إنشاء مجلس أعلى للخدمات اللوجستية (الحاجة لاطار تشريعي جديد يحفز تنمية واستغلال المنصات اللوجستية الخاصة أو بالشراكة بين القطاعين العام والخاص)؛ وضع برنامج تكوين في التصرف اللوجستي لمختلف الأطراف المتداخلة في قطاع النقل واللوجستيك؛ تحديث الخطة الرئيسية للمنصات اللوجستية وتحديد قائمة المنصات ذات الاولوية والانطلاق في تنفيذها (الشراكة بين العام والخاص).

الماء: الانطلاق في سياسة قطيعة مع طريقة التصرف القديمة لضمان الديمومة وتحسين استخدام الموارد المائية اللازمة لتنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة للبلاد. رغم الجهود المبذولة منذ الاستقلال لضمان تزويد المياه في كامل البلاد تعاني تونس من عجز مائي متزايد (أقل من 400 متر مكعب كل سنة للشخص الواحد) ويعود ذلك لعديد الأسباب من بينها النمو الديمغرافي والحوكمة السيئة (تصرف سيء في الطلب، عدم صيانة البنية التحتية، خسائر في الاستغلال بأكثر من 15% في الشبكات و30% في المساحات السقوية، استغلال مفرط للمائدة المائية، عدم تحكم في التصريفات الصناعية، عدم استعمال المياه المعالجة، استعمال مفرط في المجال الزراعي...)؛ التغييرات المناخية (فترات الجفاف الممتدة، فيضانات مدمرة...) والنمو الاقتصادي.

يقترح البديل القطع مع الاستراتيجيات التقنية البحتة واعتبار الماء موردا اجتماعيا واقتصاديا نادرا يجب تثمينه والتحسين في طريقة استعماله. إن الهدف هو ضمان التزود بالمياه في كامل تراب الجمهورية وتوليد القيمة الاقتصادية والاجتماعية من كل قطرة ماء مستعملة. ترتكز استراتيجية التصرف في الماء المقترحة على 3 ركائز:

1. إدارة صارمة للطلب (وليس فقط العرض)

2. توازن مالي لكل شبكة المياه لضمان استمرارية المورد عبر بنية تحتية وتجهيزات في حالة جيدة

3. حوكمة جيدة لكل شبكة المياه بما في ذلك وضع إطار تشريعي مناسب ومؤسسات كفؤة لتحسين طريقة التصرف وتكييف السياسات العامة للقطاع.

يمكن حوصلة عناصر الاستراتيجية كالاتي:

-حوكمة ناجعة لشبكة المياه. إسناد مهمة التخطيط والتصرف في كامل شبكة المياه لهيكل واحد محايد (خارج وزارة الفلاحة)، دمج الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه والديوان الوطني للتطهير، صياغة مجلة جديدة للمياه ونظام معلومات جديد حول شبكة المياه، وضع سياسة جديدة للتعريفة تشجع الاقتصاد في استعمال المياه، تجهيز الشبكات والحفريات بعدادات ذكية لا يمكن إتلافها، تنمية قدرات البحث والتنمية في ما يخص التصرف في الموارد المائية.

-نجاعة حشد الموارد المائية والتصرف في المياه السطحية: سياسة جديدة لنقل المياه بين الأحواض؛ اعادة تأهيل وصيانة دائمة للشبكات (البنية التحتية والتجهيزات) لتقليص الخسائر؛ برنامج للحفاظ على الأراضي والبيئة.

-عقلنة طلب المياه واستغلال الأراضي السقوية. تشجيع الزراعات التي لا تطلب مياها كثيرة واللجوء إلى تكنولوجيات الاقتصاد في المياه؛ الزيادة في كثافة الأراضي السقوية والتشجيع على استعمال المياه المعالجة ؛ اعتماد سياسة جديدة لتعريفة المياه تعكس أهميتها الاقتصادية وتحد من تبذير المياه.

-التصرف في الضغط المائي وأهمية البحث والتنمية في مجال التصرف في المياه. ترشيد الاستهلاك والترفيع في استعمال الطاقات المتجددة لحماية القطاع الفلاحي (وهو عرضة أكبر للضغط المائي) والتأثيرات المناخية (تحلية المياه والطاقات المتجددة، طرق جديدة لتخزين المياه المتجددة، اعادة ملء المياه الجوفية، التجميع الفردي...)

الطاقة: التسريع في الانتقال الطاقي، تأمين التزويد وتحسين الأداء الاقتصادي للقطاع. اننا اليوم امام خيار استراتيجي صعب للاستجابة لحاجياتنا المستقبلية من الطاقة بأقل تكاليف ممكنة بسبب تفاقم العجز الطاقي (40% من الطلب بين 2018 مايعادل 4.0 مليون طن) بسبب ضعف متواصل للانتاج الوطني للمحروقات وتأخير في اللجوء للطاقات المتجددة (1% من مزيج الكهرباء) ومصاريف الدعم (أكثر من 3% من الناتج الداخلي الخام). أصبح الوزن المالي للقطاع ثقيلا جدا على التوازنات المالية للبلاد: 1/3 العجز الاقتصادي للبلاد، دعم مرتفع للكهرباء والغاز يقارب 3%.

تأمين التزود، تقليص التبعية الطاقية، تحسين النجاعة الطاقية للاقتصاد الوطني (الكثافة والكلفة). يقترح البديل استراتيجية لتحديث القطاع وبلوغ الأهداف المرجوة: تحسين مستوى المؤسسات والإطار التشريعي ، تنويع مزيج التزود، طريقة تصرف في القطاع أكثر نجاعة اقتصاديا واجتماعيا. أهم عناصر الاستراتيجية:

تحديث الإطار المؤسساتي والتشريعي وتنمية قدرات التصرف في المؤسسات العمومية: إرجاع وزارة الطاقة وتركيز دورها على تحديد وتطبيق ومتابعة وتقييم الاستراتيجية والسياسات الطاقية الوطنية؛ تحويل المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية إلى مشغل وطني؛ خلق هيكل لحوكمة الانتقال الطاقي في البلاد دوره الاول تسريع تطبيق برنامج المزيج الكهربائي (باستعمال الطاقات المتجددة)؛ إعادة التفكير في مجلة المحروقات لتقديم إطار تشريعي وحوكمة أكثر جاذبية للشركات البترولية التي تتمتع بإمكانيات ومهارات مهمة لاعادة انعاش انشطة التنقيب في عديد المناطق؛ اعادة تركيز دور الشركة الوطنية للكهرباء والغاز على دورها الأساسي للإنتاج والبيع والنقل وتوزيع الكهرباء على كامل البلاد (الوزارة هي الفاعل الوحيد الذي يمكنه تحديد سياسة القطاع).

تثمين موارد المحروقات الوطنية للضغط على التبعية الطاقية والمساهمة في الأمن الطاقي. الترفيع في انتاج الحقول الحالية وانطلاق العمل في الحقول الاخرى التي توقف فيها الانتاج (استثمارات قليلة)؛ وضع برنامج طموح للتنقيب وتقييم احتياطي المحروقات التقليدية (المناطق التي لها إمكانيات: الشمال، الشمال الغربي، خليج ڨابس) وغير التقليدية (غاز الشيست).

تسريع تطبيق برنامج انتاج الكهرباء انطلاقا من الطاقات المتجددة: وضع خلية تنفيذ ذات كفاءة عالية لتسريع تطبيق آلية الشراكة بين العام والخاص على قطاع الطاقات المتجددة (1000 ميغا واط في 2030)؛ تشجيع الإنتاج الذاتي باستعمال الطاقة الشمسية ووضع الإمكانيات اللازمة لتشجيع المواطنين على استعمال الطاقات المتجددة وتركيب الألواح الشمسية؛ تدعيم وتنمية الترابط مع شبكات الدول المجاورة.

التهيئة الترابية وحماية البيئة

التنمية الجهوية: إرادة سياسية حازمة لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجهات الداخلية. تشير جميع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الى الفوارق الشاسعة بين التنمية الجهوية الاقتصادية والاجتماعية للجهات الساحلية والتنمية في الجهات الداخلية، خاصة في الشمال الغربي والوسط الغربي وأقصى الجنوب الجنوب الغربي. بالرغم من ذلك، من المهم التذكير بأن الجهات الساحلية وخاصة المدن المتوسطة الحجم ليست متطورة كما يبين ذلك التفاوت الذي ذكرناه أعلاه. حيث تشهد هذه الجهات أيضا تراجعا هاما في ما يخص التنمية الاقتصادية والخدمات الحضرية الاساسية التي تمكن من اطلاق عملية اقتصاد التجمعات السكنية الكبرى. إن السبب الحقيقي وراء عدم تنمية هذه الجهات هو غياب الاستثمار الخاص وليس قلة الاستثمار العام أو البنية التحتية الاساسية. تتعدد أسباب هذا النقص: غياب الاستراتيجيات التي تحفز اقتصاد التجمعات السكنية الكبرى، الإفراط في المركزية والبيروقراطية وضعف قدرة التصرف في المؤسسات المحلية، غياب التحفيز والسياسات النشيطة للسلط لتشجيع الموارد المحلية.

استراتيجية جديدة مبتكرة وسياسة حازمة لتنمية الجهات الداخلية. تتمثل استراتيجية البديل في التنمية الجهوية في تحسين ظروف عيش المواطنين وخلق شروط محلية مناسبة لتنمية الاستثمار المنتج وخلق فرص العمل. لذلك يجب القضاء على المشاكل الهيكلية التي تم التطرق اليها مسبقا والبدء في سياسة عامة حازمة لإنشاء مدن حضرية تتمتع بخدمات وتجهيزات عمومية ذات جودة لجذب المستثمرين والحفاظ عليهم والاطارات والشباب في مختلف الجهات.

تتمحور هذه الاستراتيجية حول الركائز التالية:

-تعزيز إنشاء أقطاب حضرية للتنمية جذابة ومنتجة. يجب وضع برنامج للتنمية الجهوية في كل جهة داخلية (شمال غربي، وسط، وسط غربي، شمال شرقي) والتركيز على كتلة هامة من الاستثمارات ذات الجودة في المدينة أو المدن الأكثر اهمية لتكون اكثر جاذبية وترحابا (بنية تحتية وتجهيزات)؛ تحسين الربط بين الجهات والوصول إلى الأسواق؛ بناء شبكة طرق سريعة باستعمال الطرق الموجودة حاليا تمكن من جعل المسافة بين كل مراكز الولايات لاتتجاوز ساعتين بالنسبة للمناطق الداخلية والمسافة بين المدن الكبرى في الجهات الساحلية والعاصمة أكثر بقليل من ساعتين (أقل كلفة وسرعة البناء).

-حوكمة جديدة ومرافقة عن كثب لتحفيز التنمية الجهوية. بعث في كل جهة وكالة للتعزيز والتنمية الجهوية تتمتع بذاتية التصرف ومجهزة بموظفين ذوي الكفاءة ومكونة من خبراء في أبرز مجالات التنمية الاقتصادية (الصناعة، الفلاحة والصناعات الغذائية، التسويق، المالية، الاتصال...). يتمثل هدف وكالة التعزيز والتنمية الجهوية في تدعيم ومرافقة جهود التنمية في الجهة وتقديم الدعم التقني والمالي اللازم لأصحاب المشاريع وباعثي مشاريع التنمية المنتجة (للشباب خاصة).

فلاحة عصرية ومنتجة ومستدامة. تمثل الفلاحة قطاعا بالغ الاهمية اقتصاديا واجتماعيا نظرا لتأثيره على المنظومة الايكولوجية لكنه ضعيف الانتاجية. بأكثر من 530000 مستغل يقطن 2/3 منهم في المناطق الجافة في الوسط والجنوب، تبقى الفلاحة قطاعا أساسيا بسبب دوره الاقتصادي (8% من الناتج الداخلي الخام، 12% من الصادرات) والاجتماعي (يشغل ما يقارب 20% من اليد العاملة النشيطة) وتأثيره على الانظمة الايكولوجية. لكن بالرغم من تطوره وتنوعه تبقى إنتاجيته ضعيفة وتنافسيته محدودة: معدل نمو القطاع غير منتظم ولا يتجاوز نصف الناتج الداخلي الخام، ضعف كثافة الأراضي السقوية (80% عوض 130%).

يعاني القطاع من مشاكل هيكلية جمة. يمكن تفسير الإنتاج الضعيف للقطاع بالأسباب الرئيسية التالية: صغر حجم الأراضي المستغلة (أكثر من 2/3 لهم اقل من 10 هكتارات)؛ العاملون في القطاع أكبر سنا وأقل تعليما؛ انخفاض خصوبة الأراضي؛ استعمال محتشم للأسمدة؛ شح الموارد المائية (كما ونوعا) بالمقارنة مع الطلب المرتفع)؛ مؤسسات غير ناجعة وسياسة أسعار ليست في صالح المستهلكين وشبكات التوزيع بين أيادي الوسطاء؛ غياب الدعم التقني؛ غياب المكننة؛ انعدام التجديد ومساهمة البحث الوطني (حول البذور، أساليب الزراعة...)

بالإضافة لكل هذه الصعوبات، يواجه القطاع تحديات كبرى: التغيرات المناخية وعدم انتظام تساقط الأمطار، انعدام امكانية التوسيع في الاراضي القابلة للزراعة سواء كانت بعلية أو سقوية؛ غياب الموارد المائية القابلة للتعبئة لاستعمالها في الفلاحة؛ سياسة اقتصادية لاتساعد على القيام بالاصلاحات اللازمة وتهدد المصالح والمنافسة العالمية وعدم استقرار اسعار المواد والاسمدة.

تمثل الفلاحة أولوية مطلقة لحماية موارد عيش سكان الريف (3.2 مليون) وضمان الأمن الغذائي وحماية البيئية والتنوع البيولوجي. يقترح البديل وضع استراتيجية فلاحية جديدة تمكن من تحديث الفلاحة التونسية لتصبح:

أكثر إنتاجية وتنافسية: الانتاج أكثر وبطريقة أفضل في كل هكتار باعتماد تكنولوجيات وممارسات مبتكرة واللجوء إلى يد عاملة أكفأ

أكثر استمرارية وجدوى: استعمال اقل للاسمدة الكيميائية، استعمال أمثل للموارد المائية وللأرض (الحفاظ على خصوبة الأراضي) مما يولد أكثر مداخيل للفلاحين وخاصة صغار الفلاحين

أكثر صمودا أمام التغيرات المناخية (ارتفاع درجات الحرارة، وعدم استقرار تساقط الأمطار...)

تسعى استراتيجيتنا الى التوفيق بين النجاعة الاقتصادية والرخاء الاجتماعي وحماية الوسط البيئي حيث ترتكز على 6 محاور كبرى:

-إدارة أكثر نجاعة والتقليص في عدد الهياكل العمومية والعمل على زيادة نجاعتها: العمل على استهداف أكثر لمهامها وحسن التنسيق بينها ومع المنتجين ومع مختلف الأطراف المتداخلة في العملية وفي الاختصاصات الفلاحية.

-إعادة تشكيل العقارات مما يسهل تجميعها ودمجها ويحقق الجدوى الاقتصادية خاصة بالنسبة لصغار الفلاحين مع اعتماد سياسة التشبيب والرفع في مستوى تعليم الفلاحين.

-تقديم دعم تقني يستجيب لمتطلبات فلاحة منتجة وتنافسية وأساليب تصرف مستدامة في الموارد الطبيعية (بحث وتطوير وابتكار).

-دعم مادي يعتمد سياسة استهداف ناجعة لمعاضدة جهود الإصلاحات اللازمة ويتوجه اساسا للفلاحين الصغار.

-طريقة تصرف مستدامة في الموارد الطبيعية (المياه، الأراضي، الغابات، البحار) وفي الانظمة البيئية.

-تنظيم أفضل للاختصاصات الفلاحية والعمل على تجذيرها في هياكل جمعياتية أو تعاضدية أقوى.

-برنامج خاص لتحسين مستوى الفلاحة العائلية الصغرى.

التحكم في النمو الحضري وتدعيم اللامركزية.

التحكم في النمو الحضري وتحسين جودة الحياة في مدننا. تتميز طريقة نمو مدننا بكونها فوضوية وبكثافة منخفضة مما ينتج استعمالا مكثفا للعقارات التي أصبحت نادرة. أن النتائج سلبية على مستويات عدة: هدر للعقارات في المجال الحضري بقيمة مايقارب 25000 هكتار كل سنة، ارتفاع مشط في كلفة التجهيز بمستلزمات البنية التحتية، تفاقم المضاربة العقارية في الوسط الحضري مما يؤدي الى الاضرار بمحدودي الدخل، انفجار السكن العشوائي في ضواحي المدن الكبرى أين تراقب حصة السوق الموازية للسكن 40% من جملة الإنتاج السنوي للمساكن، تدهور بيئي ملحوظ. ومن أهم أسباب هذا التدهور البيئي: سوء تصرف البلديات، اخلالات السوق العقارية، تصلب الإطار التشريعي وادوات التهيئة الترابية، ضعف قدرات الأطراف المتداخلة دي المجال.

تنظيم أفضل للمدن وتحسين تجهيزها والرفع في جاذبيتها بتقديم الامكانية للجميع للعيش فيها بكرامة. إن الاستراتيجية التي يقترحها البديل لدعم تنمية حضرية متناسقة وشاملة تتطلب تحكم البلديات في التنمية في مناطقها بفضل تخطيط أكثر نجاعة وقدرة في التصرف والتحكم في التهيئة الترابية. ترتكز الاستراتيجية على 3 محاور رئيسية: سوق عقارية نشيطة (عرض جيد للأراضي ومهيأة بأسعار متاحة للشرائح ذوي الدخل المحدود)، إنتاج قطاع السكن لعرض كاف ومتاح لجميع الشرائح، امكانية التمويل لشراء الأراضي والمساكن وتسهيلات لكل العائلات عبر تقديم مساعدات من الدولة تستهدف الطبقات الاجتماعية ذات الدخل المحدود.

من بين الإصلاحات والبرامج التي نطمح لتحقيقها يمكننا ذكر:

-تقديم الدعم اللازم للبلديات و لمسار اللامركزية لمزيد التحكم في النمو الحضاري وتقديم خدمات بمستوى عالي لجميع المواطنين والمواطنات (التأطير، التمويل، التكوين...)؛

-إنشاء "وكالة التصرف العقاري" مهمتها الأساسية هي وضع بنك الاحتياطي العقاري (يقع ادراجه في السوق حسب الحاجيات للقضاء على المضاربة)؛

-فتح مهنة المختصين في التهيئة الترابية أمام القطاع الخاص و بنفس شروط عمل الوكالة العقارية للسكنى خاصة للمساكن الاجتماعية؛

-انشاء وكالات حضرية في ال5 تجمعات سكنية الكبرى في البلاد لمساعدة البلديات في المدن الكبرى على التخطيط والتحكم في نسق النمو الحضري؛

-تبسيط الاجراء ات والإطار التشريعي؛

-تسهيل الحصول على تمويلات بنكية لشراء مساكن أو أراضي مهيأة خاصة للفئات الضعيفة الدخل أو التي لها دخل غير منتظم؛

-خلق مصادر جديدة للتمويل لحشد الموارد العقارية والبنية التحتية بطريقة مسبقة (إدخال "ضريبة حضرية" يتم فرضها على جميع المعاملات العقارية والبنائية)؛

-إعادة تحديد مهام الفاعلين العموميين الحاليين واستراتيجية تدخلهم في إطار هذه السياسة الجديدة للتنمية الحضرية.

البيئة: حماية البيئة والموارد الطبيعية لجودة حياة أفضل وتنمية مستدامة

جسم دستور جانفي 2014 مبادئ التنمية المستدامة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والبيئية لجميع المواطنين. تتجسم التحديات البيئية في تونس في: تدهور الموارد المائية ونقص نوعي في معالجة المياه المستعملة في المجال الصناعي والمنزلي، تصرف سيء في الفضلات المنزلية والصناعية، تلوث الهواء وخاصة في المدن الكبرى المنجمية والصناعية وفي المراكز الحضرية الكبرى (بسبب النقل البري)، التصحر وتدهور حالة التربة والساحل، خسارة التنوع البيولوجي القاري والبحري... بالاضافة الى الاخذ بعين الاعتبار بطريقة آلية لسياسة حماية البيئة ومبادئ الاستدامة في جميع السياسات القطاعية، نقترح:

-تحديث وتطبيق استراتيجية (أو خطة) وطنية لحماية جودة البيئة والمحيط وترشيد الاستعمال المستدام للموارد الطبيعية للبلاد (الحوكمة، الإمكانيات التقنية والمادية، خطة العمل والمتابعة)؛

-الانطلاق في برامج فورية لتنظيف بعض النقاط السوداء لتراكم التلوث (صناعية وحضرية): خليج ڨابس، الحوض المنجمي بڨفصة، منطقة صفاقس وخليج تونس، بحيرة بنزرت؛

-دعم الرسكلة واعادة الاستعمال (الاقتصاد الدائري) عبر سياسة نشيطة (عبر التواصل والتحفيزات المناسبة)

النتائج المتوقعة لتطبيق البرنامج

يتميز برنامجنا بأهمية الاصلاحات المؤسسات والهيكلية الضرورية لتحقيق نمو هام وتحسين أوضاع المواطنين. إن الاصلاحات التي نقترحها لازمة لخلق ديناميكية إقتصادية وتنمية مستدامة ولكن أيضا للتأقلم مع الصدمات الخارجية والقيام بالتعديلات اللازمة وتقوية صمود الاقتصاد الوطني. ستمكننا هذه الاصلاحات من الضغط على الكلفة المجحفة لللعاملات المرتبطة بعوامل عديدة للتعطيل المؤسساتي: ضعف الدولة، انعدام الامن، البيروقراطية، المحاباة، تأثير مجموعات الضغط، الفساد وانعدام النزاهة ومسؤولية الادارة واختلال توازنات السوق والمنافسة وضعف منظومة الحماية الاجتماعية.

سيقع تحرير الطاقات والقضاء على التعطيلات كما ستستعيد عوامل الديناميكية الاقتصادية والاجتماعية نشاطها بصفة تدريجية. ستصير المؤشرات الاقتصادية المتوقعة إيجابية انطلاقا من السنة الثالثة من تفعيلها. انطلاقا من 2025، سيتم تدعيم أثر هذه الاصلاحات بطريقة مرتفعة شيئا فشيئا كما سيتم استرجاع الثقة ونجاعة المسؤسات.

سيتم تحسين المناخ العام للاستثمار كما ستتحسن جودة آداء المؤسسات وستصير النتائج الاقتصادية والاجتماعية المتوقعة إيجابية جدا.

-سيسترجع الاستثمار نسقه تدريجيا من 20 إلى 25% من الناتج الداخلي الخام قبل آفاق 2025 مع امكانية بلوغ 30% على المدى الطويل؛

-يجب ان ترتفع مشاركة المرأة في سوق الشغل بثمان نقاط في أفق 2030 (من 28% إلى 36%) لمجابهة عرض التشغيل وتدعيم التمكين الاقتصادي للمرأة؛

-يهدف البرنامج إلى تحقيق نسبة نمو إقتصادي واقعية من 4 إلى 4.5% كل سنة لسنوات 2020 ـ 2025 بنسق 5 ـ 6% أفق 2030 عند القيام بجميع الاصلاحات المؤسساتية اللازمة؛

-سيولد برنامج الاصلاحات انخفاضا في البطالة حيث يمكن أن تبلغ نسبتها 12% سنة 2025؛

ستتحسن جميع المؤشرات الاقتصادية تدريجيا لتصل سنة 2025: تضخم بنسبة 3%، عجز مالي اقل من 3% من الناتج الداخلي الخام، دين عمومي يقارب 65% من الناتج الداخلي الخام وعجز خارجي يقارب 5% من الناتج الداخلي الخام.

Programme électoral

Programme électoral

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.